ما يجري مؤخراً في المعهد الوطني للإدارة، بإشراف مجلس الخدمة المدنية، يعكس مخالفات واضحة بحق الوظيفة العامة، وتجاوزاً منظّماً يُرتكب تحت عناوين تدريب الموظفين وتحديث الإدارة العامة.
يقوم المعهد الوطني للإدارة بتنظيم دورات تدريبية يشارك فيها عمال «شراء خدمات». وكما يُستدل من تسميتهم، فإن هؤلاء يؤدّون خدمات لقاء بدل مالي، وهم من خارج الملاك الوظيفي العام. وقد منحهم المعهد الوطني للإدارة، بحضور رئيسة مجلس الخدمة المدنية، وأحياناً بحضور رئيس التفتيش المركزي، شهادات عن هذه الدورات، ويتم التعامل معهم كموظفين رسميين، في حين أن عدداً كبيراً من الموظفين النظاميين الذين نجحوا في مباريات قانونية لم يخضعوا لأي تدريب بعد نجاحهم وتوظيفهم وفقاً للأصول، رغم أن التدريب في المعهد الوطني للإدارة يُعدّ حقاً مشروعاً وواجباً لهم عند بدء عملهم.
إن المسؤول الأول عن هذه المخالفات هي رئيسة مجلس الخدمة المدنية، الموكلة قانوناً حماية نظام التوظيف في الدولة. فبدل التزامها حماية الإطار الوظيفي والمبادئ التي يقوم عليها (المباراة، المنافسة، الكفاءة، الشفافية، التأهيل والتدريب)، تقوم برعاية دورات لغير الموظفين العموميين، وتدعو طلاب الجامعات إلى إجراء تدريبات داخل الوزارات والإدارات العامة لمن يرغب بذلك.
فعلى أي أساس قانوني ترتكز هذه الدعوات؟ وبأي ذريعة تُفتح الإدارات العامة أمام طلاب من دون وجود إطار تشريعي يجيز ذلك؟ ومن يحاسب الطالب على أي خرق أو تجاوز قد يرتكبه داخل الإدارة؟ ومن منح مجلس الخدمة المدنية هذه الصلاحية؟ أليس الأجدى بالمجلس السعي إلى تفعيل الإدارة العامة، والعمل جاهداً على فتح باب التوظيف لملء الشواغر، واستقدام أشخاص مؤهلين لشغل الوظائف العامة وفق الأصول؟
النصوص القانونية واضحة. الدخول إلى الوظيفة العامة يتم حصراً عبر مباريات يشرف عليها مجلس الخدمة المدنية، يليها تدريب في المعهد الوطني للإدارة للناجحين فقط. دور المعهد هو تأهيل موظفين دخلوا الإدارة وفق القانون، لا تنظيم دورات لعمال «شراء خدمات»، ولا منحهم شهادات تُستخدم لتبرير توظيف مقنّع أو مخالف.
إذا لم يعد المعهد الوطني للإدارة يدرّب الناجحين في مباريات الوظيفة العامة، فما هي مهمته الفعلية؟ وإذا لم تعد المباراة شرطاً للدخول إلى الإدارة، فما هو دور مجلس الخدمة المدنية؟
هذا الواقع يعكس نمطاً أوسع داخل الإدارة العامة، يقوم على تجاوز القوانين، وتعطيل الأجهزة الرقابية، وصمت إداري مقصود يسمح باستمرار هذه الممارسات.
المطلوب ليس مبادرات شكلية ولا شراكات غير منظّمة مع الجامعات، بل وقف هذه الممارسات فوراً، وإجراء تدقيق كامل في ملفات جميع المشاركين في هذه الدورات، وتحديد المسؤوليات، ومساءلة كل من سمح بها أو غطّاها أو شارك في منح شهاداتها. أي مسار إصلاحي يقوم على خرق القانون هو مسار فاسد، وأي صمت رسمي عنه يشكّل مشاركة مباشرة في تقويض الإدارة العامة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
