“الفرادة” تعبير جميل ينسحب على مجالات فكرية وعلمية عدة. ففي علم الكون، هناك فرادة “الانفجار العظيم”. وفي علم الاجتماع السياسي، هناك فرادة دور الفرد في التاريخ. وفي الفلسفة، ثمة فرادات تؤدي إلى ثورة في المفاهيم، ومن ثم ثورة في المجتمع.
ميشال أبو نجم اقتحم هو الآخر مفهوم الفرادة في كتابه “حبل السرّة – مصر وسورية: تحديات الحرب وما بعد الأسد”.
ففيما كانت أنظار ناس إقليمنا المشرقي المتوسطي، ومعها أنظار العالم، لا ترى في سورية سوى مآلات التمدد التركي، ومصير ما تبقى من النفوذ الإيراني، ومستقبل العامل الخليجي، وأدوار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وحتى باكستان، إضافة بالطبع إلى مخاطر إسرائيل الكبرى في سورية الصغرى (جنوب البلاد)، سار كاتبنا عكس كل هذه التيارات الجارفة، وقرر أن يرى سورية عبر منظور وعدسات مصر.
وحين أقدم كاتبنا على هذا التفرد المثير، كان يضع الإصبع، بشكل مدهش، على حقيقة أن الغياب النسبي لمصر، القائدة الطبيعية والتاريخية والعروبية، عن المنطقة، كان بالفعل أحد الأسباب الكبرى التي جعلت الوطن العربي — وكل الإقليم المشرقي في الواقع — على ما هو عليه الآن:
- حروب أهلية مدمّرة تتنقل كالنار في الهشيم من بلد إلى آخر، في إطار فوضى غير خلاّقة.
- انفجار أبشع أنواع الهويات القاتلة المذهبية والطائفية، وتداعي مفهوم الدولة الوطنية، مع انسداد أي أفق قومي لاستبدالها بالدولة – الأمة العربية.
- انفتاح بطن المنطقة على تمدد الفاشية – التلمودية الصهيونية.
- تحوّل بعض صيغ الإسلام السياسي السلفي إلى قنابل انشطارية إيديولوجية، في إطار ما أسماه بنجامين باربر: “تحالف عالم ماكوولد الضمني مع عالم الجهاد” (بمعناه الإرهابي – التكفيري).
- وأخيرًا، اقتحام ثورة العولمة التكنو – رأسمالية لقيم الحضارة المشرقية، وهي في أقصى حالات مرض نقص المناعة الثقافية والروحانية، وأخطر أنواع فقدان الثقة بالنفس.
بالطبع، ليست مصر وحدها المسؤولة عن هذه المحصلة. لكن غياب أو تغييب دورها — تمامًا كما حدث مع هزيمة مشروع محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، ثم تهاوي الدور التوحيدي – التحديثي الذي لعبته تجربة جمال عبد الناصر في النصف الثاني من القرن العشرين — أفقد المنطقة البوصلة القادرة وحدها على توجيهها للخروج من هذا النفق المظلم.
هذه الحقيقة تتضح بجلاء في ثنايا كتاب “حبل السرّة”.
ففي المقدمة، وحين تساءل الكاتب لماذا قرر التطرق إلى الدور المصري في سورية، تداعت لديه أسباب وعوامل هذا الدور المصري القادر — ولا يزال — على إنقاذ المنطقة. نقرأ:
- الدولة المصرية لديها رؤية واضحة لواقع التفكك والفوضى في العالم العربي، ولأدوار القوى العربية وغير العربية، وكيفية مواجهة التهديدات لأمن مصر والعالم العربي (ص 10).
- بالنسبة إلى سورية، تكوّنت جملة ثوابت للسياسة الخارجية المصرية، وهي: حماية مؤسسات الدولة الوطنية من السقوط، محاربة الإرهاب، وحدة الأراضي السورية، رفض عسكرة الأزمة، وإنهاء معاناة السوريين من جراء الصراعات (ص 20).
- كان تمسك الدولة المصرية بالحفاظ على الدولة السورية نتيجة قناعة صاحب القرار المصري بأن الدول الضعيفة والمنهارة ساهمت في الفوضى الإقليمية، وأن الطريق الوحيد للخروج من الأزمات في الشرق الأوسط يكون من خلال إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها (ص 27).
- عكس وزير الخارجية المصري آنذاك سامح شكري (2015) المحددات المصرية، حين أشار إلى أن سيطرة الطائفية وانتشار الفوضى والتنظيمات المتطرفة تهدد مستقبل المنطقة برمتها (ص 30).
- وأخيرًا، أكدت القاهرة مرارًا تمسكها بالدور العربي في حل أزمات الوطن العربي وعدم السماح بتمدد الأدوار الإقليمية على حساب هذا الدور (ص 34).
مرحلة مرسي: الاستثناء
شهدت هذه الثوابت المصرية استثناءً قصيرًا في عهد الرئيس محمد مرسي، الذي تعامل مع الأزمة السورية من موقع ديني – إيديولوجي، متأثرًا بمواقف جماعة الإخوان المسلمين ورجال الدين المتشددين.
وتجسّد ذلك في مؤتمر “موقف علماء الأمة من القضية السورية” في القاهرة عام 2013، والذي دعا إلى “وجوب الجهاد لنصرة الشعب السوري”.
إلا أن هذه المرحلة بقيت استثناءً عابرًا، سرعان ما عادت بعده مصر إلى ثوابتها الاستراتيجية.
تركيا وإيران
يتوقف الكاتب مليًا عند موقف مصر من دوري تركيا وإيران، فيشير إلى أن مصر تتخوف من تصاعد النفوذ التركي في سورية، كما تراقب بحذر احتمالات تعزيز إيران نفوذها في العراق ولبنان واليمن لتعويض خسارتها في سورية.
وعلى الرغم من المصالحة المصرية – التركية، لا يزال التنافس قائمًا حول مستقبل السلطة السورية الجديدة.
أما بالنسبة إلى إيران، فتميزت المقاربة المصرية بالحذر، مع رفض تسعير الصراع المذهبي، والسعي إلى تقاطعات مصالح مشتركة.
دوافع مصر
يحدد الكاتب دوافع مصر كالتالي:
- ارتباط تاريخي عميق بين مصر وسورية منذ الفراعنة وحتى العصر الحديث
- تمسك مصر بمفهوم الدولة الوطنية
- البعد الأمني المتقدم في السياسة الخارجية المصرية
- البعد القومي العربي
- الدور الحضاري والثقافي المصري
هل اتضحت الآن أسباب وصف كتاب “حبل السرّة” بالتفرّد؟ يفترض ذلك.
ليس فقط لأنه أوضح أن مصر الغائبة ظاهريًا عن المشهد الإقليمي منذ اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 كانت حاضرة بغيابها، بل أيضًا لأن الكاتب أوضح بجلاء أنه لا حلول ولا مخارج ولا استقرار للمنطقة من دون مصر ودورها القيادي والحضاري.
فإذا كانت مصر هبة النيل، فإن الوطن العربي الموحّد والمستقر هو هبة مصر.

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
