في ظلّ الظروف الأمنية الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، ومع تصاعد وتيرة الاعتداءات واتساع موجات النزوح الداخلي، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مبادرات محلية متعدّدة تهدف إلى تقديم الدعم للعائلات النازحة والتخفيف من معاناتها. غير أنّ هذه المبادرات، رغم بعدها الإنساني الواضح، بدأت تثير تساؤلات قانونية وإدارية تتعلّق بحدود الصلاحيات، وتنظيم العمل الإغاثي، وحماية البيانات الشخصية للنازحين.
وقد لاحظت مصادر قانونية وإدارية أنّ بعض البلديات عمدت إلى طلب معلومات شخصية مفصّلة من عائلات نازحة لا تقع ضمن نطاقها الجغرافي المباشر. ورغم أنّ هذه الخطوات تُقدَّم في إطار العمل الإنساني، إلا أنّها تطرح إشكاليات قانونية مرتبطة بدور البلديات وحدود اختصاصها، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بجمع بيانات حساسة خارج الأطر الرسمية المعتمدة.
وفقاً للقوانين اللبنانية، يقتصر دور البلديات على إدارة الشؤون المحلية ضمن نطاقها الجغرافي المحدّد قانوناً. وبناءً عليه، فإن أي تحرّك خارج هذا الإطار، حتى لو كان بدافع إنساني، يُفترض أن يتم بالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة، لا أن يتحوّل إلى دور موازٍ أو بديل عنها.
وفي هذا السياق، تُعدّ وزارة الشؤون الاجتماعية، بالتعاون مع الهيئة العليا للإغاثة، الجهة الرسمية المكلّفة بإدارة ملف النازحين وتسجيل بياناتهم، من خلال منصّات رسمية مخصّصة لهذه الغاية. ويطرح هذا الواقع تساؤلاً جوهرياً حول الحاجة إلى قيام جهات محلية أو بلديات خارج نطاقها الجغرافي بإعادة جمع البيانات نفسها، خصوصاً إذا كانت هذه المعلومات متوفّرة أصلاً لدى الجهات الرسمية.
في هذا السياق، يحذّر مختصون في العمل الإغاثي من أنّ تكرار طلب المعلومات من النازحين، دون وجود آلية واضحة للربط مع المنصّات الرسمية، قد يؤدي إلى ازدواجية في البيانات. وهذا الأمر قد ينعكس سلباً على دقّة الإحصاءات المعتمدة لتوزيع المساعدات، ما يهدّد مبدأ العدالة في العمل الإغاثي، ويُضعف الشفافية في توزيع الدعم.
كما أنّ تعدّد الجهات التي تجمع المعلومات قد يؤدي إلى تضارب في الأرقام واللوائح، وهو ما يعرقل التنسيق بين الجهات الرسمية والمانحين، ويؤثر في فعالية الاستجابة الإنسانية.
في موازاة هذه التطورات، برزت مواقف دينية تحذّر من إطلاق مبادرات إنسانية خارج الأطر القانونية والرقابية. فقد شدّد مفتي حاصبيا ومرجعيون، القاضي الشيخ حسن دلي، على خطورة إطلاق حملات تبرّع خارج غطاء قانوني واضح، متسائلاً عن الجهة التي تمنح التراخيص لهذه المبادرات، وآليات مراقبة الأموال، وسبل التحقق من وصولها إلى مستحقيها.
كما حذّر دلي من تحويل معاناة النازحين إلى وسيلة للاستعطاف أو لتحقيق مكاسب خاصة، داعياً الأجهزة الرسمية إلى تحمّل مسؤولياتها في تنظيم هذه التحركات وضبطها. وفي المقابل، أكّد أهمية دور المؤسسات الشرعية والرسمية التي تعمل ضمن أطر منظّمة وشفافة، بما يحفظ كرامة المواطنين ويضمن عدالة توزيع المساعدات.
تُظهر نماذج التسجيل التي جرى تداولها أنّ بعض المعلومات المطلوبة تُعدّ ضرورية لتقييم أوضاع العائلات النازحة، مثل اسم رب الأسرة، وعدد أفرادها، ومكان النزوح. إلا أنّ بعض الطلبات تمتد إلى معلومات أكثر تفصيلاً، كالمهنة ونوع السكن، وهي بيانات يمكن تبريرها في إطار التقييم الاجتماعي، لكنها تستدعي توضيحاً واضحاً بشأن الهدف من جمعها وحدود استخدامها.
غير أنّ الجانب الأكثر حساسية يتمثّل في طلب بيانات دقيقة مثل رقم السجل واسم الوالدة، وهي معلومات تُستخدم عادة في المعاملات الرسمية، وتُعدّ من البيانات الشخصية الحساسة. ويؤكد خبراء قانونيون أنّ جمع مثل هذه المعلومات يتطلّب مبرّراً قانونياً واضحاً، إضافة إلى ضمانات حقيقية لحمايتها من أي تسريب أو استخدام غير مشروع.
تُضاف إلى ذلك مسألة آلية جمع البيانات، إذ يُطلب من المواطنين إرسال معلوماتهم عبر تطبيق “واتساب”. ورغم سهولة هذه الوسيلة وانتشارها، إلا أنّها لا توفّر بالضرورة مستوى الحماية المطلوب للبيانات الحساسة، خصوصاً في ظل غياب أي توضيح رسمي حول كيفية تخزين هذه المعلومات، أو الجهة المسؤولة عن إدارتها، أو مدة الاحتفاظ بها.
ويشير خبراء في أمن المعلومات إلى أنّ استخدام تطبيقات المراسلة لجمع بيانات شخصية حساسة قد يعرّض هذه المعلومات لمخاطر الاختراق أو التسريب، في حال عدم اعتماد آليات حماية واضحة.
كذلك، يبرز عامل آخر يتمثل في مسألة التنسيق بين البلديات المختلفة والجهات الرسمية لمتابعة أوضاع النازحين. فغياب التنسيق الواضح قد يؤدي إلى ازدواجية في المرجعيات، ويضعف فعالية العمل الإغاثي، خصوصًا في ظل تعدّد الجهات التي تجمع البيانات وتقدّم المساعدات.
في المحصّلة، لا يمكن التشكيك في البعد الإنساني للمبادرات التي تهدف إلى مساعدة النازحين، إلا أنّ العمل الإغاثي، مهما كانت نواياه، يجب أن يخضع لضوابط قانونية واضحة، في مقدّمتها احترام حدود الصلاحيات، وتجنّب ازدواجية البيانات، وحماية الخصوصية، وضمان الشفافية في جمع المعلومات واستخدامها.
لا يكفي أن تكون النية حسنة، بل يصبح من الضروري أن يكون العمل منظّماً ومنسّقاً ومحكوماً بالقانون، بما يحفظ حقوق المواطنين وكرامتهم، ويصون أمنهم المعلوماتي، ويعزّز فعالية الاستجابة الإنسانية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في البلاد.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
