المهمة المستحيلة لقوات النخبة الأميركية

تحليل – خاص «بيروت 2030»

فرض مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب نفسه بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً في مسار الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، بعدما تجاوز كونه قضية تقنية مرتبطة بالبرنامج النووي، ليصبح نقطة اشتباك سياسي وعسكري تحدّد شكل نهاية الصراع وحدود التسوية الممكنة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة ثانية.

وكشفت التطورات الأخيرة حجم التباعد بين مواقف الأطراف الثلاثة. ففي حين تؤكد الإدارة الأميركية أنها لن تقبل ببقاء مخزون اليورانيوم المخصب داخل إيران، ترفض القيادة الإيرانية أي تنازل يمسّ بما تعتبره “حقاً سيادياً” وأحد أبرز عناصر القوة الاستراتيجية للدولة.

وفي هذا السياق، سُرّبت معلومات موثوقة تفيد بأن المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، أصدر توجيهات واضحة بعدم الموافقة على إخراج مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، في تحوّل يعكس انتقال الملف النووي من دائرة التفاوض التقليدي إلى قلب المواجهة العسكرية المباشرة.

ويأتي هذا الموقف بالتزامن مع تشدد إسرائيلي متصاعد، إذ يربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إعلان نهاية الحرب بإزالة المخزون النووي المخصب بالكامل من الأراضي الإيرانية، وهو سقف يتجاوز حتى الطروحات الأميركية الحالية، ويكشف اختلافاً عميقاً في تعريف “النصر على إيران” بين الحليفين.

وتعتقد أجهزة استخبارات غربية أن الجزء الأكبر من هذا المخزون لا يزال مدفوناً أسفل أنقاض منشآت نووية رئيسية، أبرزها مجمع أصفهان النووي ومنشأة نطنز النووية، بعد الضربات الأميركية الواسعة والدقيقة التي استهدفت البنية النووية الإيرانية خلال عملية “مطرقة منتصف الليل” في حزيران عام 2025.

وعليه، فإن فرقاً إيرانية تمكّنت بالفعل من فتح ممرات ضيقة للوصول إلى أجزاء من المخزون المدفون تحت الركام، وهو ما أثار مخاوف متزايدة داخل المؤسسات الأمنية الغربية من نقله سراً إلى مواقع غير معلنة.

ولا ترتبط المخاوف الغربية فقط بإمكانية تطوير إيران سلاحاً نووياً، بل تمتد إلى سيناريو أكثر تعقيداً يصفه خبراء الأمن بـ”النووي الضائع”، حيث إن أي احتمال لتشتت المواد الانشطارية، في حال حدوث انهيار داخلي مفاجئ أو فوضى أمنية واسعة داخل إيران، يفتح الباب أمام وصول تلك المواد إلى دول حليفة لطهران.

وقبل انفجار المواجهة العسكرية، كانت إيران قد أبدت استعداداً لإرسال جزء من مخزونها عالي التخصيب إلى الخارج ضمن تسويات تفاوضية سابقة، غير أن تصاعد التهديدات العسكرية الأميركية والإسرائيلية دفع المؤسسة الإيرانية إلى التراجع الكامل عن هذا الطرح، وتحويل الملف النووي إلى رمز مباشر للصمود والسيادة الوطنية.

ورغم هذا التصعيد، ما تزال بعض القنوات الدبلوماسية تحاول البحث عن “حلول وسط” تمنع الانفجار الكامل، حيث تدور إحدى أبرز المبادرات حول وساطة باكستانية تستند إلى خطة سلام أميركية، تتضمن خفض مستويات التخصيب مع إبقاء المواد النووية داخل الأراضي الإيرانية تحت إشراف دولي صارم.

لكن، في حال انهيار المسار الدبلوماسي، فإن السيناريوهات العسكرية المطروحة تبدو شديدة الخطورة والتعقيد، وتتمثل في خيارين أساسيين، هما:

  • الأول، تنفيذ عمليات برية لتدمير المخزون داخل المنشآت النووية نفسها، عبر اختراق المخابئ وتفخيخها من الداخل، بهدف منع إعادة استخدام المواد المخصبة مستقبلاً. غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر هائلة، أبرزها احتمال حدوث تلوث إشعاعي وكيميائي واسع، إضافة إلى غياب ضمانات كاملة لتدمير جميع الأسطوانات التي تحتوي على غاز سادس فلوريد اليورانيوم.
  • الثاني، وهو الأكثر حساسية، يقوم على استخراج المواد النووية ونقلها خارج إيران، وهي عملية وصفها مسؤولون أميركيون بأنها قد تتحول إلى أعقد عملية عسكرية خاصة في التاريخ الحديث.

ويرى مسؤولون عسكريون سابقون في البنتاغون أن أي عملية من هذا النوع تتطلب مشاركة وحدات نخبة أميركية متعددة، تشمل “قوة دلتا” و”سيل تيم 6″ و”وحدات العمليات الخاصة”، وعناصر متخصصة في التعامل مع أسلحة الدمار الشامل، إلى جانب قوات إنزال جوي لتأمين المطارات وممرات الإخلاء.

وتتضاعف صعوبة العملية بسبب الطبيعة الجغرافية والأمنية للمواقع المستهدفة، إذ تقع المنشآت الموجودة في مدينة أصفهان في عمق الأراضي الإيرانية، وعلى مسافات بعيدة عن أي قواعد حليفة للمهاجم، ما يعني أن أي قوة مهاجمة ستحتاج إلى تأمين خطوط إمداد جوية وبرية وسط بيئة قتالية معقدة.

ولفهم حجم التعقيد، يستعيد خبراء الأمن النووي تجربة “مشروع الياقوت” عام 1994، عندما نقلت الولايات المتحدة نحو 600 كيلوغرام من اليورانيوم من كازاخستان إلى منشآت أميركية، وسط ترتيبات لوجستية استمرت أشهراً، رغم أن العملية جرت آنذاك بتعاون كامل مع الدولة المضيفة وفي ظروف آمنة.

أما اليوم، فإن أي محاولة مشابهة داخل إيران ستجري في قلب حرب مفتوحة، وضد دولة ترفض التخلي عن مخزونها النووي، ما يجعل اليورانيوم الإيراني ليس مجرد مادة مخصبة، بل عقدة استراتيجية قد تحدّد مصير الحرب كلها، وربما أيضاً شكل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.