دولة الرئيس،
لستَ اليوم في موقعٍ يُحسَد عليه. فمنذ أكثر من نصف قرن، وأنت اللاعب الأبرز في الساحة اللبنانية، في مرحلةٍ امتدت من أيام الحرب الأهلية المشؤومة وما بعدها. كنتَ الرجل الذي يُمسك بالخيوط كلّها في أصعب المراحل: من الاجتياح إلى التحرير، ومن الطائف إلى الدوحة، ومن سقوط النظام السوري إلى انهيار الحكومات المتعاقبة. وفي كل مرة، كنتَ تخرج من المعترك أقوى، وأكثر حضورًا، وأعمق خبرة. أنت السياسي المحنّك، بل الساحر الذي يستحيل على أي مراقب أن يفكّ شيفرة لعبة الشطرنج السياسية التي تمارسها على مدى عقود باحتراف، حتى كدتَ أن تكون «العرّاب» في هذه الجمهورية اللبنانية، باعتراف محبّيك ومبغضيك على السواء.
دولة الرئيس، وأنت رئيس الكتلة النيابية التي تمثّل غالبية نواب الجنوب، والوفيّ لتضحيات أبناء جبل عامل، ونائب الأمة جمعاء، ألفتُ عنايتكم إلى أنّ ما يجري اليوم في مسألة المشاعات، ولا سيما في محافظة الجنوب، لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام من دون التفاتة أو موقف واضح من نواب الجنوب، ولا سيما منكم، بوصفكم المرجعية السياسية الأولى فيه، بما يقتضي كلمة صريحة وموقفًا حازمًا.
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: الأمانة التي بين يديك
قبل أي شيء، لا بدّ من التوقّف عند الإنجاز الأهم للإمام السيد موسى الصدر، وهو إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. هذا المجلس الذي كان صمّام أمان للوطن قبل أن يكون للطائفة الشيعية، وتمتّع بهيكلية مؤسساتية راسخة تحت رعاية مرجعيته الجامعة. مجلسٌ حفظ للوطن، قبل الشيعة، كرامتهم ووجودهم ودورهم في الدولة والمجتمع.
يا دولة الرئيس، أين هذا المجلس اليوم؟ ولماذا هذا التساهل مع حملات التطاول الإعلامي عليه؟ ولماذا الصمت إزاء محاولات النيل من هيبته؟ ليس مسموحًا لأي وسيلة إعلامية، أيًا تكن القضية التي تطرحها، أن تتجاوز الحدود واللياقات في تناول هذه المؤسسة الوطنية.
دولة الرئيس، وأنت الأمين على إرث الإمام الصدر، لا يجوز أن تمرّ التجاوزات الإعلامية التي تتّهم المجلس بتزوير سندات الأراضي وسرقة الملكيات الخاصة مرور الكرام. فالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس ملكًا لطائفة، بل هو ملك لكل مواطن لبناني، شيعيًا كان أم غير شيعي، وحاله في ذلك كحال دار الفتوى والبطريركية المارونية. فهذه المؤسسات تشكّل ركائز أساسية في حفظ وحدة أبناء الوطن وصون حضورهم ودورهم.
عشرة ملايين متر مربع من الأراضي الجنوبية… تحت مجهر من؟
في الأرقام، ثمّة حقيقة لا تقبل الجدل: نحو عشرة ملايين متر مربع من الأراضي في محافظة الجنوب تدخل اليوم في إطار صراع عقاري متصاعد. هذا الرقم ليس هامشيًا، فالمساحة تعادل أضعاف مساحة بيروت الإدارية. وهي أراضٍ يُفترض أن تكون من أملاك الدولة اللبنانية، العامة منها أو الخاصة، لكنها باتت اليوم في مرمى نيران محاولات تحويلها إلى لقمة سائغة في أفواه الطامعين.
مؤسسة الجيش اللبناني، بوصفها الدرع الحامي للوطن، مطالبة بأن تؤدّي دورها في حماية أملاك الدولة. فالجيش اللبناني لا يمكن أن يكون حارسًا لمشاريع شخصية أو فئوية، بل هو حارس الحدود والأرض والسيادة. وإلى جانبه، هناك أجهزة رقابية وقضائية لا بدّ من أن تنهض بمسؤولياتها كاملة، وفي مقدّمها: النيابة العامة التمييزية، مجلس القضاء الأعلى، التفتيش القضائي، التفتيش المركزي، هيئة القضايا في وزارة العدل، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فجميع هذه المؤسسات يجب أن تكون اليوم، وفي هذه القضية تحديدًا، تحت المجهر، لأن المصلحة الوطنية العامة هي الشأن الوحيد الذي لا يجوز التفريط به، ولا التهاون فيه.
حول ملاحقة محامٍ بالتزوير واستعماله في قصر عدل النبطية
ثمّة سؤال يدقّ ناقوس الخطر: ما الذي يجري منذ مدّة في قصر عدل النبطية، وسط صمتٍ مريب؟ هناك قضاة نشهد لهم جميعًا بالنزاهة والكفاءة، عملوا على ملفات عقارية لسنوات طويلة، وساروا في اتجاه يراعي مصلحة الدولة اللبنانية. فلماذا يتمّ اليوم الانقلاب على أعمالهم بهدوء مقطوع النظير؟ وكيف يمكن أن تُقلب الحقائق رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها؟ وكيف يمكن لمحامٍ تابع نشاطه جميع الجنوبيين أن يصبح اسمه متداولًا كمزوّر ومستعملٍ لمزوّر بهذه السهولة؟
في منطقة مزرعة الجرين العقارية في مرجعيون، هناك أكثر من خمسمئة عائلة مسيحية، هم إخوة لكل أبناء الجنوب، نحترمهم جميعًا ونقدّر وجودهم، يعلنون امتلاكهم وثائق ملكية تعود إلى العام 1883. هذا الملف تحديدًا يحتاج إلى تدقيق عميق، كي لا يُظلم أحد. فليس المطلوب نزع الملكيات بالقوة لتحويلها إلى ملكية الدولة اللبنانية، لكن في المقابل، ليس مقبولًا التساهل في انتزاع ملكية الدولة عن الأحراج والمشاعات. فالأراضي التي وُضع اليد عليها وكانت ملكًا خاصًا للأهالي هي ملك لهم دون شك أو ريب، أمّا الأراضي التي تشكّل أحراجًا ومشاعات فهي حقّ ثابت للدولة اللبنانية.
في كفركلا، وهي القضية النموذجية، ذهبت الأمور إلى أبعد من ذلك. إذ صدر حكم عن المحكمة الجعفرية يعتبر أنّ أراضي كانت مسجّلة باسم شركة يهودية سابقة باتت، وفقًا للحكم، عائدة للطائفة الشيعية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وهنا يبرز لغط كبير حول توصيف هذه الأراضي، هل هي «ملك» أم «وقف»، وسط روايات متضاربة. فثمّة من يقول إنّ الأمر استند إلى قاعدة شرعية مفادها أنّ «الحاكم الشرعي هو وارث من لا وارث له»، في مقابل رواية أخرى تفيد بأنّ الدولة اللبنانية، ممثَّلة بهيئة القضايا، أهملت وغابت، ما دفع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى التدخل. هنا، لا بدّ من التوقّف مليًا. هل نريد أن نسمح بالتهجّم على مؤسسات الدولة الدينية من دون رادع أو وازع؟ وهل سبق أن دخلنا، فعلًا، في منطق المصادرة باسم الطائفة، أم أنّ ما يجري لا يعدو كونه حملات تضليلية وإشاعات؟ وهل هذا هو العدل الذي نريده للجنوب؟
لا للتغطية الطائفية على الفساد
يُروَّج، عبر بعض الإعلام اللبناني، لقضايا تتعلّق بمحاولات استعادة أملاك الدولة في مساحات شاسعة، وكأنّها هجمة من الشيعة على المسيحيين في الجنوب. في المقابل، شهدنا بالأمس هجومًا على الوزير علي حسن خليل والوزير ياسين جابر على خلفية محاولات ردّ أراضٍ في جبل لبنان إلى ملكية الدولة اللبنانية. هذا التوجّه، وهذا الأداء، خطيران جدًا. فلماذا هذا التحريض الطائفي والمذهبي الفجّ؟ ألم نتّفق جميعًا على أنّ الفاسد لا دين له؟ فهناك فاسدون في كل الطوائف، كما أنّ هناك نزيهين في كل الطوائف. المشكلة ليست في الشيعة ولا في المسيحيين، بل في تجّار القضايا والأراضي، وفي رجال الأعمال الذين يتعاونون مع رجال السياسة الطامعين للتحكّم بملكية الأراضي، سواء على الحافة الجنوبية أو في أقضية جبل لبنان.
أملاك الدولة هي ملك لجميع الطوائف اللبنانية على حدّ سواء، والدفاع عنها ليس دفاعًا عن طائفة في مواجهة أخرى، بل هو دفاع عن المال العام، وعن حقّ كل لبناني في هذه الأرض. مباركة كل خطوة، يقوم بها أي لبناني، أيًّا تكن صفته، لحماية أملاك الدولة. فقد سئمنا التقسيمات الديموغرافية للمناطق، واكتفينا من النزاعات والصراعات القضائية، ومللنا الشعارات التحريضية التي تُستخدم لتمرير الموبقات والصفقات.
الدولة التي تسحب 300 ألف ليرة من جيوب الفقراء…
ثمّة مفارقة مؤلمة لا يمكن تجاهلها. فالحكومة اللبنانية نفسها، التي لا تتردّد في سحب 300 ألف ليرة لبنانية من جيوب المواطنين الفقراء لملء خزّانات الوقود في سياراتهم، بحجّة تغطية نفقاتها، تغضّ الطرف عن ملفّ يتعلّق بنحو عشرة ملايين متر مربّع من الأراضي. هذا الملف يحتاج إلى جلسة طارئة في مجلس الوزراء لمناقشته، بل إلى جلسات متتالية، كما يحتاج إلى جلسة نيابية علنية للخوض في تفاصيله. فالرأي العام اللبناني يريد أن يفهم ويعرف، ولم يعد يكفيه تراشق الاتهامات بين محطات متلفزة لكلّ منها أجنداتها وصراعاتها التنافسية.
من يقول الحقيقة؟ ومن الذي يضلّل؟ الثابت الوحيد أنّه لا يجوز ترك الأمور تسير في اتجاه يبدو في ظاهره هجمة ارتدادية مسيحية على الشيعة في الجنوب، فيما باطنه ليس سوى تنسيق أدوار بين فاسدين داخل ما يُسمّى بالدولة العميقة.
تعميم وزير المالية: هل جاء متأخرًا؟
في هذا السياق، لا بدّ من التوقّف عند خطوة مهمّة اتّخذها وزير المالية الحالي ياسين جابر، الذي تعرّض لهجوم شرس بالأمس. فقد أصدر تعميمًا مؤخرًا (رقم 609/ص1 تاريخ 25/2/2026)، طلب فيه من جميع القضاة العقاريين، والمسّاحين، والمخاتير، وأمناء السجل العقاري، الامتناع عن قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم البلديات مباشرةً أو باسم الأفراد في محاضر التحديد والتحرير. وشدّد التعميم على وجوب قيد هذه العقارات أولًا باسم الدولة، على أن تُنقل لاحقًا إلى البلديات وفق الأصول، كما منع المخاتير من إصدار إفادات «علم وخبر» لهذه العقارات، مؤكدًا أنّ المشاعات لا يمكن اكتساب ملكيتها لا بالتقادم ولا بالاستيلاء أو الإشغال.
هذا التعميم، يا دولة الرئيس، يعترف صراحةً بوجود ظاهرة تسجيل ونقل ملكية عقارات غير ممسوحة ومشاعات إلى ملك البلديات أو الأفراد خلافًا للأصول القانونية. وقد يكون الهدف منه، كما حاول بعض الإعلام الترويج بالأمس، التوجّه نحو أراضٍ في جبل لبنان، أو لفت النظر إلى الخلل القائم في مناطق جنوبية. كما يعترف القرار أيضًا بأنّ بعض المخاتير كانوا يمنحون إفادات «علم وخبر» لهذه العقارات خلافًا للقانون. ويأتي هذا التعميم عطفًا على تعاميم سابقة صدرت عن وزارة المالية ووزارة الداخلية، ما يعني أنّ المشكلة ليست جديدة، بل هي مزمنة ومتجذّرة.
السؤال المشروع هنا: هل هذا التعميم كافٍ لردع الهجمة على أملاك الدولة؟ وهل سيتم تطبيقه بصرامة، ولا سيّما في الجنوب حيث تتركّز مساحات واسعة من هذه الأراضي؟ أم أنّ مصيره سيكون الإهمال، فيُرمى في أدراج النسيان كما حصل مع تعاميم سابقة؟
سابقة الوزير علي حسن خليل: عندما حاول حماية المشاعات
قبل سنوات، وتحديدًا في 31 كانون الأول 2015، أصدر وزير المالية السابق علي حسن خليل مذكرة إدارية طلب فيها من مندوبي دائرة أملاك الدولة تسجيل العقارات المتروكة المرفقة (المشاعات) باسم «الجمهورية اللبنانية»، مع الإشارة إلى أنّ حقّ الانتفاع يعود لأهالي البلدة. كما طلب الامتناع عن تدوين العبارات «الخاطئة» التي كانت ترد سابقًا في خانة المالك، مثل «ملك عموم أهالي البلدة».
ما الذي كانت نتيجـة هذه المذكرة؟ هبّة غضب عارمة في جبل لبنان، وصمت في الجنوب، حيث اعتبر البعض أنّ الدولة «تسرق» مشاعاتهم. واتُّهم الوزير خليل بمحاولة فرض واقع عقاري جديد لصالح «فئة معيّنة». أمّا النتيجة النهائية، فتمثّلت بتراجع الوزير عمليًا عن تعميمه، بعد أن أوضح أنّه لا يشمل جبل لبنان. وإذا كان قراره لا يشمل جبل لبنان، فإنّ المنطقة المقصودة تصبح، حكمًا، مناطق في الجنوب.
هذا الدرس، يا دولة الرئيس، يجب أن يكون حاضرًا. فأي محاولة جدّية لحماية أملاك الدولة ستُواجَه بحملات طائفية شرسة، وسيُتّهم المبادر بأنّه يخدم طائفته على حساب الطوائف الأخرى. وهنا يأتي دور قائد بحجمكم، لفرز الحقائق وتوضيح أنّ حماية أملاك الدولة هي حماية للجميع، وليست عدوانًا على أحد.
ومن باب التذكير، فقد تقدّم النائبان غازي زعيتر وحسين الحاج حسن بتاريخ 15 تموز 2020 باقتراح قانون يهدف إلى دمج الأراضي الأميرية بالأراضي الملك، وإلغاء حقّ الرقبة العائد للدولة. وبموجب هذا الاقتراح، تتحوّل الأراضي الأميرية إلى ملك خاص لأصحاب حقّ التصرّف، وتصبح الدولة غير قادرة على استرجاعها حتى في حال إهمالها لسنوات. والحقيقة أنّ المقاصد الفعلية التي كان النائبان يتوخّيانها من هذا الاقتراح لم تُفهم بوضوح حتى اليوم.
مدينة ترامب في الشرق الأوسط: مشروع مشبوه على الحدود
كل هذه التطوّرات العقارية تأتي في وقتٍ يتمّ فيه التحضير لمشروع دولي كبير في جنوب لبنان. الحديث يدور عن «منطقة اقتصادية» على الشريط الحدودي، قد تكون على شاكلة لاس فيغاس في الشرق الأوسط، أو ما يُسمّى «مدينة ترامب». ثمّة أحاديث عن شراء كبار المصرفيين ورجال الأعمال أراضيَ جنوبية متنازعًا عليها بأسعار بخسة، ومحاولات لاحقة لرفع قيمتها لمصلحتهم عبر تسوية أوضاعها القانونية وتثبيت ملكيتها. هذا الأمر يستدعي تفكيرًا عميقًا، وتأمّلًا جديًا، وتدقيقًا صارمًا.
لا شكّ في أنّ هناك دوائر داخل الدولة تعلم يقينًا ما الذي يجري التحضير له في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. ولا شكّ أيضًا في أنّ اتفاقات تمهيدية تُبرم حول الخريطة المستقبلية لهذه الأرض. وفي المقابل، ثمّة صمت مطبق، مرعب ومهيب، حيال منع أهالي القرى الأمامية من العودة إلى بلداتهم.
دولة الرئيس، هل يمكن أن يكون ما نشهده اليوم من صراع عقاري تمهيدًا لهذا المشروع؟ وهل يُراد إفراغ الأرض من سكانها الأصليين تحت شعارات قانونية وعقارية، لتكون جاهزة لاستقبال مشاريع استثمارية ضخمة تخدم أجندات إقليمية ودولية؟ وهل يُراد تحويل أبناء الجنوب من صامدين على أرضهم إلى نازحين داخل وطنهم؟
الوريث الشرعي لنهج الإمام السيد موسى الصدر
دولة الرئيس، وأنت الوريث الشرعي لنهج الإمام السيد موسى الصدر، وأنت صوت كل جنوبي صبر وصابر، وآمن بالخط المقاوم ولا يزال. كثيرون من أبناء الجنوب اليوم محرومون من الاستفادة من رزقهم وأرضهم، محرومون من إعادة إعمار منازلهم، ومحرومون من العودة إلى لمّ الشمل العائلي على تراب بلداتهم التي كانت محتلة.
لا يمكن أن يصبح الجنوب، نتيجة حرب 2024، «الجنوب المسروق من الداخل»، بعد أن كان «الجنوب الصامد» الذي عرفناه دائمًا، وفي أقسى الظروف والمحن.
عشرة ملايين متر مربع من الأرض غنّت لها جوليا بطرس «لكل حبّة ترابٍ منها» ألف أغنية، رابطـةً إيّاها بالكرامة الوطنية، وهي كذلك فعلًا. هذه الأرض، إن كانت ملكًا للدولة اللبنانية، فعلى الرئاسات الثلاث التحرّك فورًا لحمايتها. فثمّة تقصير كبير في هذا الصدد، وهجوم أكبر بكثير، وضغط أعنف من الصمت والهجوم القائمَين معًا.
نداء أخير
دولة الرئيس، لا يمكن أن نسمح بأن تتحوّل أملاك الدولة اللبنانية إلى الحلقة الأضعف أمام حملات الضغط الكبيرة المستندة إلى شدّ العصب الطائفي، والتي تؤدي إلى صمت الجميع. ولا يمكن أن نقبل بأن يُسرق الحقّ من صاحبه، ولا أن يحتمي السارق بطائفته. ولا يمكن أن نسمح بأن يكون الجنوب، الذي دفع أبناؤه الفاتورة الأغلى بآلاف الشهداء، لقمة سائغة في حلق أصحاب الجشع والنفوس الفاسدة.
دولة الرئيس، ثمّة فرقة ذات وزن من المحامين المتطوّعين، ينتظرون ساعة الصفر للانطلاق دفاعًا عن الحق والحقيقة. وقبل أي تحرّك من هؤلاء، نطالبك اليوم، بوضوح وجلـاء، بكشف الحقائق عبر موقف علني منك، أو من أحد أعضاء كتلة التنمية والتحرير. فأنتم تمثّلون الجنوب، وأهل الجنوب، وتراب الجنوب. وهذا لا يعفي نوّاب سائر المناطق من القيام بمسؤولياتهم الوطنية، إذ إنّ النائب، وفقًا للدستور اللبناني، يمثّل الأمّة جمعاء، وعشرة ملايين متر مربع من الأراضي ليست لقمة صغيرة، ولا مسألة قابلة للابتلاع.
ثمّة تجّار للقضايا الكبرى، وثمّة شبهات حول صفقات كبيرة حيكت، أو تُحاك، بعناية وبالتنسيق مع عدد من الوسائل الإعلامية. لكن هناك من يراقب وسيحاسب، وهناك من سيكشف المتورّطين والمتواطئين على حقوق الدولة اللبنانية. إنّ قضية أملاك الدولة جنوب نهر الليطاني، وفي المناطق الحدودية الجنوبية التي كانت محتلة، لا يجوز لأحد أن يستسهل قضمها أو ابتلاعها. وقد قال الرئيس جوزف عون: «لبنان ليس دولة مفلسة، بل دولة منهوبة».
دولة الرئيس، إن لم يكن أحد قد لفت نظرك إلى ما يجري، نتيجة الانشغال بملف الانتخابات النيابية التي غالبًا ما تجعل أعضاء النادي السياسي في لبنان في وئام وانسجام غير منقطع النظير، فهذا نداء يضع الكرة اليوم في ملعب كتلة التنمية والتحرير، وهي الأقدر على التصدّي لهذا الأمر، والذود عن مصالح الدولة اللبنانية العليا. وأنت، يا دولة الرئيس نبيه بري، المحامي الأكبر في الجمهورية، والعيون كلّها شاخصة نحوك. ننتظر منك الموقف المسؤول لكي نهتدي إلى درب الرشاد والصلاح.
وكن على ثقة بأننا سنقف سدًّا منيعًا في وجه أي تحريض طائفي، وأن ثقتنا بالقضاء اللبناني لن تهتزّ ما دام لا يحيد عن درب الحق واستقصاء الحقيقة، مراعياً موجب الحياد. فكفانا هتكًا وتدميرًا في سلطات الدولة ومؤسساتها، حمايةً لمصالح أصحاب الياقات البيضاء.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
