العدالة المؤجلة في زمن النقاش حول قانون العفو العام

حين يتحول الوقت نفسه إلى جزء من الأزمة الوطنية

في الدول التي تعمل فيها المؤسسات بصورة طبيعية، يُنظر إلى الوقت بوصفه جزءاً أساسياً من العدالة.

فالعدالة لا تعني فقط صدور الأحكام الصحيحة، بل تعني أيضاً صدورها ضمن مهلة معقولة، تحفظ للإنسان حياته وكرامته واستقراره النفسي والاجتماعي.

ولهذا السبب، كرّست الشرائع الدولية هذا المبدأ بصورة واضحة، إذ نصّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل إنسان في أن تُنظر قضيته “دون تأخير لا مبرر له”، فيما اعتبرت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أن المحاكمة العادلة تفترض حصولها “ضمن مهلة معقولة”.

غير أن المشكلة في لبنان لم تعد تقتصر على بطء المحاكمات بوصفه خللاً إدارياً أو تقنياً، بل تحولت، مع الوقت، إلى أزمة وطنية تمسّ علاقة الإنسان بالدولة نفسها.

خلف كل ملف قضية… ثمّة حياة كاملة

في الإحصاءات الرسمية التي تُرفع إلى الجهات المسؤولة، تبدو الملفات العالقة مجرد أرقام، فتُسجَّل في الجداول والإحصاءات: عدد الدعاوى الواردة، عدد الأحكام الصادرة، عدد الملفات العالقة، عدد الموقوفين، وعدد المراكز القضائية الشاغرة.

لكن يغفل كثيرون أن خلف كل رقم من هذه الأرقام حياةً كاملة.

هناك أب يخشى على سمعته ومستقبله المهني، وهناك أم تعيش القلق بصمت، وهناك أولاد يكبرون فيما عائلاتهم معلّقة بين جلسة وأخرى، وهناك إنسان يستهلك جزءاً من عمره بانتظار قرار، أو حكم، أو حقيقة، أو حق.

فالملفات القضائية لا تبقى داخل المحاكم فقط، بل تدخل إلى البيوت والعلاقات والأعصاب والحياة اليومية. ولهذا، فإن العدالة البطيئة لا تُرهق المؤسسات وحدها، بل تُرهق المجتمع نفسه.

حين يصبح الوقت سياسة عامة

في كثير من الملفات اللبنانية الكبرى، لم يعد التأخير استثناءً، بل تحوّل إلى نمط دائم في إدارة الأزمات.

ففي قوانين الإيجارات القديمة، جرى، لسنوات طويلة، تحميل المالكين عبء العجز الاجتماعي للدولة، عبر تمديد العلاقات التأجيرية بصورة استثنائية ومتكررة، فيما يشهد ملف الإيجارات السكنية معضلة جديدة تتعلق بعدم إطلاق صناديق التعويضات الغائبة والمعطّلة نتيجة إفلاس الدولة، بحيث تحوّلت حقوق فئات واسعة من المالكين إلى نزاع مفتوح مع الزمن.

وفي ملف المودعين، دخل اللبنانيون أعواماً طويلة من الانتظار والضياع المالي، فيما بقيت حقوق الناس معلّقة بين تعاميم حاكمية مصرف لبنان المؤقتة والتسويات غير المكتملة.

وفي المقابل، لم تتمكن المسارات القضائية البطيئة، حتى الآن، من إعادة الثقة أو إنتاج حلول عادلة وشاملة، رغم أن التوقف الفعلي للمصارف عن الدفع، وتعذّر وصول المودعين بحرية إلى ودائعهم، باتا واقعاً معاشاً يعيشه اللبنانيون يومياً.

أما في جريمة انفجار مرفأ بيروت، فقد تحوّل انتظار الحقيقة، بالنسبة إلى عائلات الضحايا، إلى شكل آخر من أشكال الألم اليومي الذي فُرض عليهم التعايش معه، وسط استمرار التعقيدات السياسية والقانونية والمؤسساتية، حيث تمر السنوات فيما تبقى العدالة معلّقة.

لنصل إلى الحديث عن وجوب إقرار قانون عفو عام في بعض الملفات الجزائية، ليعود النقاش القديم ـ الجديد حول ضرورة صدور مثل هذا القانون لحل أزمة الاكتظاظ في السجون، وغرق المحاكم بكمّ هائل من الملفات، وكأن الدولة تعالج نتائج التأخير بدل معالجة أسباب التأخير نفسها.

في كل هذه الملفات، يبدو الزمن كأنه أصبح وسيلة لإدارة الأزمات بدل حلّها. وفي كثير من الأحيان، تبدو الحلول المؤقتة كأنها محاولات لترحيل الأزمات لا معالجتها جذرياً، فيما يبقى المواطن عالقاً بين الوعود المؤجلة والحقوق غير المحسومة.

العدالة ليست أرقاماً

في التجارب القضائية الحديثة، لم تعد العدالة تُقاس فقط بوجود المحاكم والنصوص، بل أيضاً بمدى احترام الكرامة الإنسانية خلال مسار التقاضي نفسه.

لهذا، تؤكد مبادئ بانغالور للسلوك القضائي، المعتمدة دولياً كمرجع لأخلاقيات العمل القضائي، أن الثقة العامة بالقضاء لا تقوم فقط على الاستقلال والنزاهة، بل أيضاً على الإحساس بأن العدالة تُمارس بإنصاف واحترام للإنسان.

فالقاضي لا يتعامل مع أوراق جامدة، بل مع بشر يحملون خوفهم ومستقبلهم وسمعتهم إلى قاعة المحكمة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المحامي، الذي تؤكد المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، الصادرة عن الأمم المتحدة، أنه ليس مجرد وكيل إجرائي، بل شريك أساسي في حماية الحقوق وصون العدالة.

فاللوائح والمذكرات ليست نصوصاً تقنية فقط، بل انعكاس لحقوق يجب صونها، ولمخاوف مشروعة لدى الناس. وعندما تفقد العدالة بُعدها الإنساني، تتحوّل الإجراءات تدريجياً إلى عملية ميكانيكية باردة لا ترى ما وراء الملفات.

العدالة المتأخرة شكل آخر من الإنكار

في الفقه الحقوقي الحديث، استقر مبدأ شهير يقول: “العدالة المتأخرة هي شكل من أشكال إنكار العدالة”.

هذه العبارة لم تولد من فراغ، بل من إدراك أن السنوات الطويلة داخل المحاكم قد تترك آثاراً لا تمحوها حتى الأحكام اللاحقة.

فهناك أعمار تمضي، وسمعة تتآكل، وعائلات تُستنزف، وثقة بالدولة تتراجع تدريجياً.

قد يتحمل الناس قسوة الأحكام أحياناً، لكنهم لا يحتملون الشعور بأنهم أصبحوا مجرد أرقام داخل نظام لا يرى تعبهم وخوفهم وأعمارهم التي تمر.

إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة، قضائية كانت أو سياسية أو إدارية، هو أن تنظر إلى الناس بوصفهم ملفات وإحصاءات فقط.

فالدولة التي لا ترى الإنسان داخل مؤسساتها تتحوّل تدريجياً إلى دولة عاجزة عن إنتاج الثقة والاستقرار والعدالة.

لأن العدالة ليست فقط تطبيقاً للنصوص، بل هي أيضاً حماية للكرامة الإنسانية.

ولا يكفي أن تصدر الأحكام في النهاية، إذا كان الطريق إليها قد استهلك ما تبقى من الإنسان.

ختاماً، لا تكون العدالة الحقيقية فقط في معرفة الحقيقة، بل أيضاً في الوصول إليها قبل أن يتحوّل الانتظار نفسه إلى عبء دائم على المجتمع.

فالأمم لا تُقاس فقط بقوانينها، بل بقدرتها على حماية الإنسان من الاستنزاف الطويل داخل مؤسساتها.

وخلف كل ملف مؤجل، هناك دائماً حياة تمضي… وعائلة تنتظر… وإنسان يحاول أن يبقى متماسكاً، فيما يمر جزء من عمره ويتآكل كثير من عنفوانه داخل نفق الانتظار.

العدالة التي تصل بعد أن يُنهك الانتظار الإنسان قد تنجح أحياناً في إقفال الملف، لكنها لا تنجح دائماً في إعادة الزمن الذي خسره أصحابه على أبواب المؤسسات.

فالزمن الذي تعجز العدالة عن حمايته، يتحوّل، مع الوقت، إلى جزء من الظلم نفسه.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.