تداعيات خروج الإمارات من «أوبك» على سوق الطاقة العالمية

عن الصحافة الغربية

لم يكن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة الخروج من منظمة «أوبك»، اعتبارًا من الأول من أيار/مايو الجاري، تحوّلًا سياسيًا معزولًا، بل جاء تتويجًا لتحوّل استراتيجي أعمق امتدّ على مدى عقد كامل. وتنسجم هذه الخطوة مع الضرورة الأوسع التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، والمتمثلة في ضمان الاستقرار والتنمية من خلال تنمية اقتصادها خارج قطاع الطاقة – وهو انتقال تأمل أبوظبي في تمويله من عائدات عملياتها النفطية والغازية.

يأتي الإعلان، قبل أيام، عن نية شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» استثمار 55 مليار دولار في مشاريع النفط والغاز، للدلالة على أن الإمارات لا تسرّع فعليًا استثماراتها في الهيدروكربونات فحسب، بل تعيد أيضًا تعريف موقعها الجيوسياسي في الخليج. وفي صميم هذا التحوّل تكمن مفارقة قديمة في استراتيجية التنمية الإماراتية. فعلى الرغم من قيود الإنتاج التي فرضتها «أوبك»، استثمرت الدولة بكثافة خلال العقد الماضي في توسيع طاقتها الإنتاجية. إذ إن الدولة تتجه إلى تسييل مواردها الطاقوية بالكامل والتخلص من الحصص المفروضة من الخارج.

يعكس توقيت الخروج تلاقي عدد من العوامل البنيوية. أولًا، أوصلت سنوات من الإنفاق الرأسمالي الإمارات إلى نقطة بات فيها توسيع الطاقة الإنتاجية أمرًا ضروريًا، ومن هنا جاء قرار «أدنوك» رفع هدفها الإنتاجي ضمن استراتيجية توسع أوسع تبلغ قيمتها 150 مليار دولار. ثانيًا، إن الوضع الاقتصادي الكلي للإمارات أمتن بكثير من وضع العديد من نظرائها. فمع سعر تعادُل نفطي يقارب 45 دولارًا للبرميل – وهو مستوى أدنى بكثير من سعرَي السعودية أو العراق ذات الصلة – تمتلك أبوظبي هامشًا واسعًا للمضي في خطط التوسع. أما ثالثًا، فلم تتبدد التوترات بين أعضاء «أوبك» بالكامل بعد خلاف عام 2021 بشأن خطوط الأساس لحصص الإنتاج، وهو خلاف كشف عدم التوافق بين نظام التخصيص داخل «أوبك» وأهداف الإمارات الإنتاجية الخاصة. وأخيرًا، فإن الاضطرابات القائمة حول مضيق هرمز، والناجمة عن الحرب مع إيران، غيّرت حسابات الكلفة والمنفعة المرتبطة بعضوية «أوبك»: فالانتماء إلى هذا التكتل يقدم مزايا أقل على المدى القصير خلال نزاع قيّد التجارة الإقليمية بشدة، في حين أصبحت مرونة الإنتاج بعد انتهاء النزاع أكثر قيمة.

على المدى القصير، سيكون أثر خروج الإمارات في السوق محدودًا. فتجارة النفط اليوم تتشكل بفعل الاضطرابات الجيوسياسية أكثر مما هي مرتبطة بتغييرات في عضوية «أوبك». أما التداعيات على المدى المتوسط فهي أكثر أهمية. فبمجرد استقرار الصادرات الإقليمية، ستتمكن الإمارات من زيادة إنتاجها بما يتجاوز قيود «أوبك»، ما يشير إلى أن هذه الخطوة ليست قطيعة سياسية بقدر ما هي قرار في السياسة الاقتصادية يهدف إلى مواءمة الإنتاج مع القدرة الاستثمارية.

يوضح حجم استثمارات «أدنوك» واتجاهها محور التخطيط المستقبلي لأبوظبي. فهي تتوقع استمرار الطلب القوي في آسيا، التي تستحوذ أصلًا على ما يقارب ثلاثة أرباع صادرات «أوبك» والغالبية الساحقة من الشحنات العابرة عبر هرمز. لذلك، فإن أي توسع في الإنتاج الإماراتي سيؤثر أساسًا في المشترين الآسيويين لا في الأسواق الغربية. كما تعزز البنية التحتية في الدولة، ولا سيما منظومة خام مربان وخط أنابيب الفجيرة الالتفافي، هذا التوجه من خلال توفير وصول مباشر نسبيًا إلى الأسواق الآسيوية.

في المقابل، يزيد الغموض الجيوسياسي في المنطقة، وخصوصًا المرتبط بالتوترات مع إيران، تعقيد المشهد بالنسبة إلى الإمارات. فقد كشفت التهديدات المتكررة للملاحة عبر مضيق هرمز هشاشة البنية التحتية للطاقة في الخليج ومخاطر الاعتماد على الاستقرار الإقليمي. ونتيجة لذلك، تعطي أبو ظبي أولوية لتنويع مسارات التصدير، والبنية التحتية للأنابيب البرية، والممرات التجارية البديلة، والاستثمارات التي تقلل التعرض للتقلبات.

كما يمنح الخروج من «أوبك» الإمارات حرية أكبر لزيادة الإنتاج عند الحاجة، وتسييل احتياطاتها منخفضة الكلفة بصورة أكثر اندفاعًا، وتوليد إيرادات لتمويل التنويع خارج الهيدروكربونات على المدى الطويل. حيث يعكس هذا الخروج إحباطًا من بنية كارتلية باتت تتشكل على نحو متزايد وفق أولويات السعودية وروسيا – وهي عضو في «أوبك بلس» – في وقت أصبحت فيه المصالح الاقتصادية الإماراتية أكثر اندماجًا عالميًا وأقل اعتمادًا على أسعار النفط المرتفعة.

على المدى المتوسط، ترى الإمارات أن الهيدروكربونات لا غنى عنها. فرغم الاستثمارات الكبيرة في الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون، توسّع «أدنوك» إنتاجها ليس فقط من النفط، بل أيضًا من الغاز والغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات. هكذا، من وجهة نظر أبوظبي، شكّل الخروج من «أوبك» خطوة منطقية ضمن استراتيجية مدروسة بعناية لتعظيم عائدات الهيدروكربونات على المدى القصير والمتوسط، بهدف تمويل التنويع والتحول في مجال الطاقة على المدى الطويل. فالهيدروكربونات تمثل العمود الفقري المالي لهذا التحول، لا ضحيته، وتسهم في تنويع الاقتصاد العام، وليس قطاع الطاقة وحده.

كذلك، يعكس قرار الإمارات إعادة تموضع أوسع داخل منطقة الخليج. فمؤسسيًا، يضعف القرار «أوبك» من خلال إخراج منتج رئيسي قادر على التأثير في الأسعار بفضل طاقته الاحتياطية الكبيرة. لكنه يعزز في الوقت نفسه الدور القيادي للسعودية داخل المنظمة، وهو دور استخدمته الرياض لعقود من أجل ممارسة السيطرة على أسواق النفط والتنسيق الاقتصادي الإقليمي، وذلك عبر إزاحة منافس رئيسي. إذ في الواقع، دأبت الاحتكاكات بين أبوظبي والرياض على التراكم منذ سنوات، مع تنامي مكانة الإمارات داخل التكتل، وتزايد المنافسة الدبلوماسية والاقتصادية الأوسع بين البلدين.

علمًا بأن الإمارات ليست أول دولة تغادر «أوبك»؛ فقد خرجت قطر والإكوادور وأنغولا في السنوات الأخيرة. لكن خروج الأولى هو الأكثر أهمية إلى حد بعيد بسبب حجمها، وهيكل كلفتها، وقدرتها على التوسع. صحيح أن الخروج ذاك لا يشير إلى انهيار وشيك للكارتل، لكنه يبرز أن قيمة العضوية آخذة في التراجع بالنسبة إلى المنتجين الذين يتمتعون بأسعار تعادُل منخفضة، وأوضاع مالية قوية، واستراتيجيات طاقة متكاملة.

على مدى عقود، أدت «أوبك» دورًا محوريًا في الحوكمة العالمية. فقد أثّرت في التضخم والنمو والتدفقات المالية، وعززت في الوقت نفسه المكانة الجيوسياسية لدول الخليج. كما انخرط منتجو «أوبك» في حوار منظم، وإن غير رسمي، مع كبار المستهلكين مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. إلا أن الظروف التي دعمت القوة تلك تغيّرت. فقد أدى صعود النفط الصخري الأميركي إلى إدخال إمدادات مرنة إلى السوق، في حين خلق التحول الأخضر حالة من عدم اليقين بشأن الطلب على المدى الطويل. والحال أن ما يتشكل اليوم ليس تفككًا كاملًا لـ«أوبك»، بل تآكل منطق الكارتل نفسه. فالتنسيق يصبح أصعب، والمصداقية أضعف، والنتائج أكثر غموضًا. ويجري استبدال الانضباط الجماعي باستراتيجياتوطنية. وهو، من أوجه كثيرة، ما يعكس إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، بل حتى النظام العالمي الأوسع.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فينطوي الأمر أيضًا على تحول جيوسياسي كبير، بالنظر إلى تطور علاقة واشنطن بـ«أوبك». إذ، لسنوات طويلة، كان يمكن وصف هذه العلاقة بعلاقة اعتماد متبادل، يمارس فيها الطرفان درجة من السيطرة على سوق الطاقة العالمية. غير أن هذا الاعتماد المتبادل تحوّل ببطء في السنوات الأخيرة بفعل ارتفاع الإمدادات من خارج «أوبك» والانقسامات داخل المنظمة – وهي تغيرات تهدد بإمالة الميزان لمصلحة واشنطن. فانقسام المنتجين إنما يخلق فرصًا للولايات المتحدة كي تستخدم طاقتها الإنتاجية ومركزيتها المالية للتأثير في الأسواق العالمية.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / أنطونيا كوليباسانو

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.