«غير كافية»: حدود القوة الجوية في الحرب على إيران (عن الصحافة الغربية)

تفترض الحروب الحديثة، على نحوٍ متزايد، أن السيطرة على المجالين الجوي والفضائي هي العامل الحاسم في مآلات النزاعات. ولا شكّ في أن الضربات الدقيقة، وشبكات الاستطلاع والمراقبة، وحروب المسيّرات، تتيح للدول مراقبة خصومها وضربهم بمدى غير مسبوق. غير أنّ القوة الجوية، وإن كانت حاسمة على المستويين العملياتي والاستراتيجي، نادرًا ما تُفضي بمفردها إلى نصر سياسي. فالمسألة تتعلّق بالقدرة على توليد «الضغط السياسي»، وهذه القدرة لا تتوقف فقط على ما تستطيع القوة الجوية تدميره، بل على توقيت استخدام هذا الضغط مقارنةً بلحظات الهشاشة السياسية الداخلية. وتشكل الحملة الجارية ضد إيران مثالًا واضحًا على ذلك.

يعود الاعتقاد بأن القوة الجوية وحدها قادرة على فرض الاستسلام السياسي بجذوره إلى التفكير الاستراتيجي في القرن العشرين، إلا أنّ مبررات هذا الاعتقاد تبقى غير واضحة. فخلال الحرب العالمية الثانية، شنّت ألمانيا حملة قصف مكثفة على المدن البريطانية خلال ما عُرف بـ«البلتز»، وألحقت أضرارًا جسيمة وخسائر كبيرة في صفوف المدنيين، لكنها فشلت في كسر الإرادة السياسية البريطانية أو فرض الاستسلام. بل على العكس، أسهمت تلك الهجمات في تعزيز مقاومة الرأي العام وتقوية عزيمة الحكومة على مواصلة الحرب.

وفي مراحل لاحقة من الصراع، واجهت حملات القصف التي نفذها الحلفاء حدودًا مشابهة. فقد دمّرت العاصفة النارية التي اجتاحت مدينة هامبورغ عام 1943 مساحات واسعة من المدينة وأودت بحياة عشرات الآلاف، ومع ذلك تعافت القدرة الصناعية الألمانية، واحتفظ النظام بسيطرته السياسية. وحتى القصف الحارق الواسع للمدن اليابانية عام 1945 لم يُجبر طوكيو فورًا على الاستسلام. إذ واصلت اليابان القتال رغم الدمار الحضري الهائل. وحتى القصف الذري لهيروشيما وناغازاكي لم يكن عاملًا حاسمًا هو الآخر؛ إذ جاء قرار الاستسلام نتيجة انهيار الموقع الاستراتيجي لليابان، بما في ذلك دخول الاتحاد السوفياتي الحرب وخسارة الأراضي في آسيا.

وحتى في عصر الدقة العالية، واجهت القوة الجوية صعوبة في إنتاج نتائج سياسية حاسمة بمفردها. فقد أظهرت الحملات الجوية الأميركية ضد العراق وأفغانستان وتنظيم «الدولة الإسلامية» قدرة كبيرة على تدمير الأهداف وفرض ضغط مستدام، لكنها لم تُفضِ إلى تسوية سياسية أو انهيار للنظام. وأسفرت حملات عام 2025 ضد الحوثيين في اليمن عن نتائج مماثلة؛ فعلى الرغم من الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد البنى التحتية لإطلاق الصواريخ والمنشآت العسكرية، واصل الحوثيون هجماتهم.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى مدى التحوّل الجذري الذي شهدته القوة الجوية عبر السنين. فقد اعتمدت حملات القصف الاستراتيجي المبكرة على تشكيلات ضخمة من الطائرات وقصف المناطق الواسعة، على أمل أن يؤدي تدمير المدن أو القدرات الصناعية إلى كسر إرادة الخصم. وكانت تلك العمليات متقطعة وغير دقيقة في الغالب، مع قدرة محدودة على تعقّب الأهداف المتحركة أو فرض ضغط متواصل.

أما القوة الجوية الحديثة فتعمل بطريقة مختلفة. فقد سمحت التطورات في الذخائر الموجهة بدقة للطائرات بتدمير أنظمة عسكرية محددة بدل استهداف مناطق حضرية شاسعة. كما أتاح تطوير قدرات قمع وتدمير الدفاعات الجوية المعادية (SEAD/DEAD) للقوات الجوية المتقدمة تكنولوجيًا فرض التفوق الجوي والحفاظ عليه فوق ساحات قتال متنازع عليها.

والأكثر أهمية هو دمج شبكات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المعتمدة على الفضاء. إذ تتيح الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والمستشعرات المرتبطة بالبيانات تتبّع الأهداف شبه لحظيًا، وضرب التهديدات الناشئة بسرعة، فضلًا عن توفير بنية الملاحة والاتصالات والاستهداف التي تقوم عليها الحملات الجوية الدقيقة. كما أدى انتشار الأنظمة منخفضة الكلفة القابلة للاستهلاك، بما في ذلك الذخائر الجوّالة والطائرات المسيّرة، إلى توسيع مدى الحملات الجوية الحديثة وقدرتها على الاستمرار.

لا شك في أن السيطرة الجوية والفضائية تشكل عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة. فالتفوق في هذين المجالين يمكّن الدول من فرض ضغط مستدام على المنظومة العسكرية للخصم. وتسمح الضربات الدقيقة المدعومة بشبكات استهداف متكاملة للطائرات والأسلحة بعيدة المدى باستهداف منصات إطلاق الصواريخ، وقمع شبكات الدفاع الجوي، وتعطيل أنظمة القيادة، وتوجيه ضربات متكررة للأصول المتحركة والعُقد اللوجستية، ما يحدّ من قدرة الخصم على إعادة بناء قدراته المفقودة. وبالمثل، يمكن للضربات الدقيقة أن تولّد ضغطًا اقتصاديًا عبر استهداف البنى التحتية الحيوية والأنظمة اللوجستية. فمرافق الطاقة والموانئ وقدرات التكرير وعُقد الإنتاج العسكري تصبح عرضة للاستهداف بمجرد قمع الدفاعات الجوية. ويمكن لتعطيل هذه الأنظمة أن يبطئ العمليات العسكرية ويزيد في الوقت نفسه من الأعباء الاقتصادية داخل الدولة المستهدفة. وإلى جانب ذلك، يؤدي التعرض الدائم للاستهداف إلى ضغط نفسي على القيادتين السياسية والعسكرية، إذ يقيّد حركة القادة، ويزيد من مخاطر ضربات «قطع الرأس»، ويزرع التذمر داخل هياكل القيادة.

بيد أن الفشل في تحقيق التفوق الجوي، حتى في الحروب الحديثة، قد يكون مكلفًا للغاية. فعندما يتعذر فرض هذا التفوق، تصبح العمليات الجوية المستدامة أكثر صعوبة بكثير. وكان هذا حال الحرب في أوكرانيا، حيث حال فشل روسيا في السيطرة على الأجواء في المراحل الأولى من الغزو دون قدرتها على الحفاظ على نشاط ضربات مستمر، ما دفع الحرب نحو استنزاف قائم على المدفعية والصواريخ والمسيّرات، تهيمن عليه المناورة البرية والسيطرة على الأرض. وبعبارة أخرى، غيّرت الإخفاقات المبكرة طبيعة الحرب جذريًا من دون أن تؤثر في نتيجتها السياسية.

في المحصلة، تظل القوة الجوية مقيّدة بالآليات السياسية التي تحكم بقاء الأنظمة. فالحكومات نادرًا ما تنهار لمجرد تدهور قدراتها العسكرية. وتعتمد قدرتها على الصمود في وجه الهجمات على مجموعة من العوامل البنيوية، أبرزها تماسك النخب، والسيطرة على الأجهزة الأمنية، والسيادة الإقليمية. وما دامت هذه الآليات قائمة، تستطيع الحكومات في كثير من الأحيان امتصاص الضغط من دون التنازل عن سلطتها السياسية.

من هذا المنظور، يمكن للقوة الجوية أن تُسرّع التغيير السياسي، لكنها لا يمكن الاعتماد عليها لإحداثه من تلقاء نفسها. فالضغط الجوي المستدام قد يضعف الأدوات التي تستخدمها الحكومات للحفاظ على السيطرة، ويكثّف الضغوط القائمة، لكنه لا يستطيع وحده تفكيك شبكات النخب، أو إدارة الأراضي، أو توليد الشرعية السياسية. فهذه النتائج لا تتحقق إلا عندما تبدأ الديناميات السياسية الداخلية بالتغير.

وغالبًا ما يتوقف نجاح حملات القسر الجوي على عامل التوقيت. فالضغط العسكري الخارجي يكون أكثر زعزعة للاستقرار عندما يتزامن مع اضطرابات داخلية أو انقسام سياسي. ففي إيران، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في كانون الأول/ديسمبر 2025، عقب انهيار العملة الوطنية، وسرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد. وبلغت الاضطرابات ذروتها في مطلع كانون الثاني/يناير، قبل أن تباشر قوات الأمن الإيرانية حملة قمع عنيفة أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص واعتقال عشرات الآلاف. وبحلول نهاية الشهر، كانت طهران قد أعادت إلى حدّ كبير فرض سيطرتها على الشارع.

ويطرح ذلك تساؤلًا حول مسألة التوقيت. فقد بدأت الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية فقط بعد أن استعادت قوات الأمن الإيرانية السيطرة، ما يثير الشكوك حول ما إذا كانت تلك الهجمات قد جاءت «متأخرة جدًا» لتكون فعّالة سياسيًا. هكذا، إذا جرى اتخاذ إجراءات إضافية في لحظة تجدد للاضطرابات، فقد تُسهم نظريًا في تحفيز تغيير النظام. أما إذا تماسك الفاعلون الإيرانيون في مواجهة الضغوط، فلن تُجدي القوة الجوية نفعًا يُذكر.

حتى الآن، نجحت الحملة الجوية في فرض قدر معتبر من الضغط العسكري على طهران. فقد مكّنت الذخائر الموجهة بدقة، والمدعومة بشبكات استخبارات ومراقبة واستطلاع مستمرة، من تنفيذ ضربات متكررة ضد البنى التحتية لإطلاق الصواريخ والمنشآت العسكرية وشبكات القيادة، بالتوازي مع زيادة الأعباء الاقتصادية والعملياتية على النظام. ولم تقتصر الضربات على استهداف القادة الإيرانيين، بل شملت أيضًا منشآت الصناعات الدفاعية والبنى التحتية المرتبطة بها. ومع ذلك، لا يوجد أي ضمان لتحقيق نصر سياسي.

ستظل السيطرة الجوية والفضائية جزءًا لا يتجزأ من الحروب الحديثة. فالضربات الدقيقة وشبكات الاستهداف المعتمدة على الفضاء تمكّن الدول من فرض ضغط مستدام على خصومها مع تقليص خسائرها البشرية. وتُعد هذه القدرات أدوات جذابة للدول التي تسعى إلى استخدام القوة العسكرية من دون الزج بتشكيلات برية كبيرة. غير أن التفوق الجوي العملياتي لا يلغي القيود السياسية التي تحدد نتائج النزاعات. ويكمن الخطر الاستراتيجي في الخلط بين القدرة العسكرية والحسم السياسي. فالتدمير العسكري هو ما يولّد النفوذ الذي تتيحه القوة الجوية الحديثة، لكن النتائج السياسية تبقى، في نهاية المطاف، رهينة توقيت تقاطع هذا الضغط مع لحظات هشاشة النظام من الداخل.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / أندرو ديفيدسون

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.