أم المعارك بين الأحزاب المسيحية في انتخابات نقابة المحامين في بيروت

مارتينوس وبازرلي مستقلَّين حظيا بالدعم الحزبي فأدارا محركات المطحنة

 

بدأ يلوح في الأفق غبار معركة انتخابات نقابة المحامين في بيروت، المقرّر إجراؤها يوم الأحد في 16 تشرين الثاني 2025، وسط مساعٍ انتخابية تسعى إلى إخراجها من إطارها المهني والنقابي وتحويلها إلى ساحة مواجهة سياسية.

حرارة المعركة هذا العام لا تختلف عن حماوة الاستحقاقات السابقة، مع فارقٍ جوهريّ يستحق التوقف عنده، يتمثل في البيانات المالية السابقة التي حجبت الجمعية العامة عنها الثقة، ما يُلقي بظلاله على عناوين المعركة الراهنة، بين من يطالب بإجراء التدقيق المالي احتراماً لتصويت الجمعية العامة وأخذاً بمزاجها المهني الجاد، وبين من يستخفّ بضرورة هذا التدقيق معتبراً أن موقف الجمعية العامة كان عاطفياً بدافع رفض رفع الرسم السنوي، وأن المطالبة بالتدقيق المالي ليست سوى شعارٍ شعبويّ.

في قلب هذه المعركة يبرز وجهان مستقلان: المحامي عماد مارتينوس، المدعوم من حزب القوات اللبنانية، والمحامي إيلي بازرلي، الذي يحاول البعض تصوير معركته على أنها معركة حزب الكتائب.

تحالفات طائفية وحزبية ضبابية

رغم أن عدد المرشحين لعضوية مجلس النقابة أُقفل على 20 مرشحاً يتنافسون على ثمانية مقاعد متاحة — وهو عددٌ ليس كبيراً مقارنة بالسنوات السابقة — إلا أن ثقل الأسماء المرشحة ألقى بظلاله على المشهد الانتخابي. غير أن صورة التحالفات، رغم وضوحها الجزئي، لا تزال ضبابية وتنذر بالكثير من المفاجآت، نظراً إلى تشعّبها وتشابكها ولا منطقيّة بعضِها.

المشهد العام يبدو وكأنه مرآة مصغّرة للوطن، فـ”البلد محكوم بالطائفية والعصبيات، ونقابة المحامين في بيروت في انتخاباتها ليست استثناءً من هذا النسيج”.

وتفيد التوقعات بأن ميثاق الشرف النقابي، الهادف إلى تمثيل جميع العائلات الروحية في مجلس النقابة، لن يُحترم مجدداً، في استمرارٍ لثغرةٍ مزمنة بدأت قبل اثني عشر عاماً، حين حاولت الأحزاب ذات القاعدة الشعبية الإسلامية اقتحام القلعة النقابية لتوظيف نتائجها في الربح السياسي، ما استدعى آنذاك ردّات فعل حاسمة من الجسم المهني.

وفي انتخابات عام 2025 أيضاً، تُشير المعطيات إلى فشلٍ متوقّع في لمّ الشمل الوطني داخل مجلس النقابة، وهو أمرٌ تنبّه لخطورته عددٌ من المرشحين الذين حرصوا على زيارة المرجعيات الروحية كافة، لشرح تفاصيل المشهد والتأكيد على الدور الوطني الجامع لنقابة المحامين في بيروت، بمعزل عن المزاج السياسي أو الانقسامات داخل الجسم المهني.

المنازلة الرئيسية بين مارتينوس وبازرلي

تتّسع يوماً بعد يوم حظوظ المرشّح إلى منصب العضوية ومركز النقيب عماد مارتينوس أمام منافسه الأساسي إيلي بازرلي. ويُعزى ذلك، بحسب المراقبين، إلى عدّة عوامل، أبرزها القاعدة الشعبية الواسعة التي يتمتّع بها مارتينوس بين المحامين من مختلف الطوائف، إذ يعتبره كثيرون مرشّحاً “معتدلاً ومناقبياً”، خصوصاً وأنه – بشهادة الجميع – وقف إلى جانب المحامين الجنوبيين خلال الحرب الأخيرة على لبنان. يُضاف إلى ذلك خبرته المكتسبة من عمله السابق في مجلس النقابة حيث شغل منصب مفوّض قصر العدل، فضلاً عن شخصيّته العفويّة والمحبّبة التي تمنحه قاعدة دعم صلبة تتجاوز الأطر الحزبية الضيّقة. كما يُسجَّل لحزب القوات اللبنانية قراءته الثاقبة لتطوّرات الأحداث في لبنان والمنطقة، وذكاؤه التكتيكي الذي دفعه إلى تبنّي ترشيح مارتينوس، رغم كونه مرشّحاً مستقلاً، في وقت مبكر من السباق الانتخابي.

في المقابل، يتمتّع إيلي بازرلي بدعم واضح من بعض الأوساط الكتائبية التي تشهد حالياً تباينات داخلية. إذ يُشير المراقبون إلى أنّ هناك محاولة من الفريق المقرّب من النقيب فادي مصري للنيل من مكانة النقيب السابق جورج جريج، نائب الرئيس الأول لحزب الكتائب سابقاً، ما أثار تساؤلات داخل الحزب حول موقف قيادته من هذه التصرفات، وهل تحصل فعلاً بتوجيه مباشر منها.

ويرى المراقبون أن النقيب فادي مصري، رغم انتمائه إلى العائلة الكتائبية، لم يسعَ خلال ولايته إلى مدّ اليد إلى مسؤوله الحزبي السابق جورج جريج، الذي لم يبارك ترشّحه السابق لمنصب النقيب، واكتفى باعتباره من “الحرس الكتائبي القديم” المحسوب على الرئيس الأسبق للجمهورية أمين الجميل، وهو التيار الذي تراجع تأثيره تدريجياً لصالح النهج الجديد الذي يقوده النائب سامي الجميل.

ومن الجدير ذكره أنّ مارتينوس، وفي أكثر من مناسبة اجتماعية ذات طابع انتخابي، قدّم خطابات متوازنة تراعي حدود المنافسة الديمقراطية، مؤكداً استقلاليته وامتنانه لدعم الأحزاب اللبنانية لترشّحه، وفي طليعتها حزب القوات اللبنانية. في المقابل، يُركّز بازرلي جزءاً كبيراً من حملته على مهاجمة منافسه بشكل مباشر، متهماً إياه برفع شعارات “شعبوية” و”التنكر لمهام” كان قد تولاها في مجلس النقابة، في إشارة إلى ملف التدقيق المالي.

ويعتبر البعض أنّ هذه الاستراتيجية قد تنفع أو تضرّ، لكن من الواضح أن مواقف بازرلي تحظى بتأييد عدد من الأعضاء الحاليين في المجلس المنتهية ولايته، ممن يرفضون فكرة التدقيق المالي، وكذلك من نقباء سابقين يرون أن هكذا سابقة قد تُحدث تصدّعاً في هيكل النقابة في حال تبيّن وجود أي ارتكابات مالية.

تحالف المكوّنات المتناقضة… نقطة الضعف الأبرز

يحاول المرشّح إيلي بازرلي التماهي، في آنٍ معاً، مع التيار الوطني الحرّ الذي احتفل عام 2018 بنجاحه الأول في عضوية مجلس نقابة المحامين في مركزه الرئيسي في ميرنا الشالوحي، ومع الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل)، مستفيداً من دعم بعض المحامين المحسوبين على قوى التغيير، ولا سيّما أولئك المقرّبين من النقيب السابق ملحم خلف الذي لا يزال يرفض الانخراط في هذه المعركة الانتخابية، مُبقِياً على حياده، ومطوياً تجربة “نقابتنا” التي كانت محاولة يتيمة لإدخال قوى التغيير إلى داخل نقابة المحامين عقب الزخم الشعبي الذي حظي به المحامون المتطوّعون للدفاع عن المتظاهرين.

إلى جانب ذلك، يسعى بازرلي إلى الحصول على مباركة حزب الكتائب اللبنانية من خلال المساعي التي يعبّر عنها علناً النقيب الحالي فادي مصري، في سياق ما يُعتبر “ردّ جميل” تجاه بازرلي، نظراً للدور الذي لعبه الأخير في معركة عام 2023. غير أنّ هذا الرهان على تركيبة هجينة من التحالفات المتناقضة، مع سقف خطابي مرتفع، يُفضي إلى خلاصة واضحة مفادها أنّ أيّ خلل قد يصدر عن القواعد الحزبية لأيٍّ من هذه المكوّنات يمكن أن يشكّل الضربة القاضية التي تعطل حظوظ بازرلي في الوصول إلى مركز النقيب. فهذه “التوليفة” التي تجمع قوى متعارضة في شعاراتها وأهدافها، يوحّدها فقط هدف واحد: النيل من المرشح المدعوم من حزب القوات اللبنانية، وإن كان مستقلاً.

وعند التعمّق أكثر في المشهد، يتبيّن أنّ التحالف النقابي الذي يجمعه بازرلي حوله يضمّ حتى الساعة كلًّا من المحامي موريس الجميل عن حزب الكتائب، والمحامي وسيم بو طايع عن التيار الوطني الحرّ، والمرشّح المستقل نديم حمادة المدعوم من الحزب التقدّمي الاشتراكي.

إلّا أنّ مفوضيّة العدل والتشريع في الحزب أعلنت صراحةً أنّها لم تحسم خيارها في ما يتعلّق بمعركة النقيب، نتيجة اعتراضات داخلية على ظهور حمادة إلى جانب بازرلي في جولات انتخابية عدّة، شاركت فيها المفوّضة سوزان إسماعيل ومرشّح الحزب في الشوف المحامي سعد الدين الخطيب.

في المقابل، تجري مفاوضات متقدّمة، يتخلّلها الكثير من المدّ والجزر، مع الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) لدعم المحامية سعاد شعيب، وهو ما قد يمنح حملة بازرلي دفعة قوية في حال ضَمِن أصوات المحامين الشيعة إلى جانبه. لكنّ دائرة المحامين في حزب الله ما زالت متريّثة ولم تُعلن موقفاً واضحاً من ترشيح حركة أمل لشعيب. وفي حال أراد بازرلي استرضاء الثنائي، فلن يكون ذلك ممكناً إلّا على حساب مرشّح حزب المستقبل المحامي توفيق النويري، الذي يعيش مع تيّاره حالة من الإرباك في تحديد شكل التحالف الذي يريد الحزب خوضه في هذا الاستحقاق.

وترى أوساط نقابية أنّ حالة التردّد التي تهيمن داخل “تيار المستقبل” قد تؤدي إلى انعكاسات سلبية على الحزب نفسه في نقابة المحامين في طرابلس. فقد أثبتت التجارب السابقة أنّ أيّ تحالف سياسي هجين يترك أثراً سلبياً في نفوس الناخبين الذين يميلون، في مثل هذه الحالات، إلى الاقتراع المستقلّ وفق قناعاتهم الخاصة، بمعزل عن توجيهات القيادات الحزبية.

وتُجمع المصادر النقابية على أنّ هذه هي نقطة الضعف الأساسية في الحملة الانتخابية التي يقودها بازرلي، إذ إنّ الجمع بين أطراف متناقضة في مواقفها السياسية ليس بالأمر الصحّي، لا سيّما في معركة يُفترض أن تكون ذات طابع نقابي صرف. وهناك انطباع مهني عام بأنّ رهانات بازرلي الانتخابية غير دقيقة، وأنّه قد يتعرّض في نهاية المطاف إلى طعنة قاسية تُلحق ضرراً بصورته النقابية التي كانت محلّ إجماع لسنوات طويلة. وتحمّل المصادر المتابعة المسؤولية في ذلك إلى بعض الشخصيات النقابية التي تحاول الاستثمار السياسي في معركة بازرلي، تمهيداً لحجز مقاعد نيابية في انتخابات عام 2026.

المرشحون الآخرون قبلوا بلعب أدوار ثانوية

يُنظر إلى ترشّح المحاميَين المخضرَمَين بيار حنا ووجيه مسعد، صاحبَي التاريخ الطويل في عضوية مجلس نقابة المحامين، لمركز النقيب، على أنه ترشّح غير جدّي. فكلاهما يعتمدان على شبكة علاقاتهما الشخصية، وعلى الخدمات السابقة واللقاءات المباشرة مع المحامين، في وقتٍ تغيب فيه القدرة المالية لديهما عن مجاراة المرشحَين الآخرين.

لذلك، يعزفان عن إقامة حفلات الاستقبال، مكتفيين بانتقاد ظاهرة “الموائد المفتوحة” كوسيلة انتخابية تنطوي على إنفاق مفرط. غير أنّ هذا الانتقاد المتأخر يبدو متناقضاً مع ممارساتهما السابقة، إذ كانا من بين الملبّين لتلك الدعوات حين كانا عضوين في مجلس النقابة، بل تبنّيا آنذاك موقف النقيب السابق ناضر كسبار الذي اعتبر هذه المشاهد الاجتماعية “ظاهرة صحّية” تعبّر عن التلاقي بين المحاميات والمحامين، ولا ينتقدها سوى “أصحاب الفكر الانعزالي أو المنبوذين مهنياً واجتماعياً”. وعليه، يمكن القول إنّ حنا ومسعد يتجرّعان اليوم من الكأس نفسها التي أعدّاها سابقاً.

وفق غالبية المتابعين للشأن النقابي، فإنّ الهدف الحقيقي للمحاميَين القديرَين قد يكون الفوز بعضوية المجلس فقط، أو ربما القيام بدور تكتيكي بطلبٍ من بعض القوى السياسية لتشكيل ورقة ضغط في المعادلة الانتخابية، أو لتشتيت أصوات المستقلين من خلال تبنّي شعارات تستميل هذه الفئة. لكنّ الأوساط المهنية تحذّر من أنّ المخاطرة كبيرة، وأنّ إنهاء المسيرة المهنية بفشل انتخابي سيكون مؤلماً، لأنّ هامش الخسارة قائم بقوة. وتشير هذه الأوساط إلى أنّ حنا ومسعد حقّقا ما يكفي من إنجازات سابقة، ومن الأفضل أن يفسحا المجال أمام المحامين الشباب للمشاركة في أداء الخدمة النقابية العامة.

في المقابل، تؤكّد الأوساط نفسها أنّ إيلي بازرلي يبدو مطمئناً لاستمرار حنا ومسعد في حملتهما، إذ يراهن على قدرتهما على استقطاب عدد من المحامين القواتيين والمستقلين وجذب جزء من الأصوات المؤثرة نحوهما، بما ينعكس خفضاً في نسب التصويت لمنافسه الأساسي.

أما الوجوه الشابة من الفئة العمرية المتوسطة، فتخوض معركتها لإثبات الوجود، ومن أبرزها المحامون: نديم حمادة، هادي فرنسيس، وسام عيد، وسيم بو طايع، وموريس الجميل. ويُعدّ موريس الجميل الكتائبي الأوفر حظّاً للنجاح بين هؤلاء، بفضل علاقاته الواسعة، خصوصاً إذا تمّ التوصّل إلى اتفاق اللحظات الأخيرة بين معراب والصيفي. فمعركة الكتائب ترتبط مباشرةً بنجاح اسم موريس الجميل، ولا عبرة لباقي الأسماء في هذا السياق. ومثل هذا الاتفاق يبدو منطقياً ومتوقّعاً، لأنّ تحالف الصيفي – ميرنا الشالوحي لا يحظى بقبول أو انسجام سياسي أو نقابي.

إلى جانب هؤلاء، تبرز أسماء أخرى يُعتبر نجاحها شبه محسوم حتى قبل انطلاق المعركة الانتخابية، ومنهم المحامون مروان جبر، جورج يزبك، وإيلي حشاش، بفضل تاريخهم المهني وتحالفاتهم الواضحة والدعم الذي يتلقونه. كما أنّ هذا الثلاثي يتبنّى موقفاً صريحاً من قضية الخلل المالي في حسابات النقابة، ويطالب بتغيير النهج القائم على أسس علمية ومحاسبية تبدأ بعملية تدقيق مالي شفاف واحترام القرارات الصادرة عن مجلس نقابة المحامين في بيروت.

معضلة غياب تمثيل العائلات الروحية الإسلامية مستمرة

يبقى التخوّف الأكبر في انتخابات نقابة المحامين في بيروت هو استمرار فشل القدرة على تمثيل العائلات الروحية الإسلامية داخل مجلس النقابة. ويعود السبب إلى اعتماد الأحزاب على الثقل السياسي للمرشحين الذين تختارهم، لا على رصيدهم النقابي ومهنيتهم.

يتنافس ثلاثة مرشحين من الطائفة السنية هم: مايا شهاب، توفيق النويري، وسعاد شعيب. ويُذكر أنّ مجلس النقابة الحالي يضم عضوين سنّيين هما سعد الدين الخطيب ومايا شهاب. ويرى المتابعون أن استمرار المرشحين الثلاثة في خوض السباق من دون تنسيق أو انسحابات سيؤدي إلى تشتيت الأصوات وبالتالي إلى فشل جماعي.

أما تبنّي حركة أمل لترشيح محامية سنيّة هي سعاد شعيب، فقد أثار استياءً واسعاً في صفوف المحامين الشيعة الذين يغيبون عن مجلس النقابة منذ أكثر من اثني عشر عاماً. ويتساءل هؤلاء عن الإنجازات النوعية التي قدّمتها شعيب لتبرير ترشيحها من قِبَل الحركة، في وقتٍ لم يُراعَ فيه غياب المكوّن الشيعي عن المجلس، وهو أمر يعترض عليه بشدّة محامو حزب الله.

وفي مقابل هذا الخلل في التمثيل الشيعي، يبرز ترشيحان: الأول للمحامية سهى بلوط الأسعد، التي قدّمت، بحسب المعلومات، هبات مالية سخية من أحد زبائنها الممولين، للمساهمة في تأمين الطاقة الكهربائية لعدد من قصور العدل خلال ولايتي النقيبين السابق ناضر كسبار والحالي فادي مصري. وتحظى الأسعد بدعم علني مباشر من النقيب كسبار الذي يعتبر معركتها امتداداً لمعركته النقابية، ويتوقّع لها في مجالسه الخاصة أن تحصد العدد الأكبر من الأصوات بين المرشحين. غير أنّ هذا الدعم، وفق الأوساط النقابية، يضع كسبار أمام امتحان شخصي هو في غنى عنه، إذ إنّ إنجازاته خلال ولايته السابقة ــ التي انتهت بعدم إبراء ذمة المجلس ــ كانت تعتمد في جزء كبير منها على الهبات التي عملت عليها الأسعد، ما يجعل دعمها الحالي أقرب إلى تسديد فواتير انتخابية قديمة.

أما المرشح الشيعي الأبرز، والذي قد يشكّل المفاجأة الكبرى في هذه الدورة، فهو المحامي المستقل وسام عيد. يتميّز عيد بشبكة علاقات واسعة بين المحامين وبخطاب نقابي منفتح ومتوازن، ما يجعله منافساً قوياً يمكن أن يتفادى فخ تشتّت الأصوات، رغم الصعوبات الموضوعية لذلك. ويرى بعض المراقبين أنّ عيد قد يكون الحصان الأسود في هذه الانتخابات النقابية.

خلفية المعركة: أبعاد تتجاوز جدران النقابة

تحاول بعض القوى السياسية ربط المعركة النقابية بالمعارك السياسية الوطنية، وهو ربط خاطئ ومضلّل للجسم المهني داخل النقابة. فمن يريد مواجهة حزب القوات اللبنانية سياسياً لا يمكنه أن يفعل ذلك من خلال محاولة النيل من مرشح مستقل مدعوم منها. هذا المنطق، وفق المتابعين، لا يعدو كونه تقديماً خبيثاً للمعركة التي، كغيرها من المعارك الديمقراطية، لا تخلو من المكر والمصالح المتشابكة.

وفي نهاية المطاف، لا بدّ للأحزاب من اتخاذ موقف واضح ودعم مرشحٍ ما، لكن حين يكون الدعم موجّهًا إلى مستقلّ بدلاً من حزبي، فذلك يُعدّ ظاهرة صحّية تستحق التشجيع في العمل النقابي.

من الضروري أن تقوم القيادات الحزبية اللبنانية بإعادة تقييم مواقفها استناداً إلى آراء أعضائها من غير المحامين، للوصول إلى قراءة موضوعية لمسار المعركة وتقدير مدى انعكاسها على الزخم الشعبي، خصوصاً ونحن على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة.

وستشكّل انتخابات النقابة اختباراً حقيقياً لصلابة التحالفات الهشّة ولحجم الطعَنات المحتملة التي غالباً ما تحصل في الساعات الأخيرة قبل فتح صناديق الاقتراع. كما لا يمكن إغفال التأثير الكبير للأصوات المستقلة التي صنعت الفارق في انتخابات 2023، وتحاول اليوم، رغم الصعوبات الاقتصادية، أن تلملم صفوفها في مواجهة الماكينات الحزبية المموّلة بسخاء.

ويبقى الأمل أن يحسن المحامون الاختيار بعيداً عن ضجيج الحفلات وصراعات الأحزاب، وأن يكون المعيار الوحيد هو الكفاءة والخبرة والمناقبية التي ينادي بها الجميع نظرياً، ويغيب عنها كثيرون عملياً.

مقالات الكاتب

إميل خلف

كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.