لم يأتِ تصريح علي شمخاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي في نظام الملالي، من فراغ، بل شكّل زلزالاً سياسياً في طهران وكشف عمق التصدّع داخل أركان النظام الذي يعيش مرحلة احتضارٍ سياسي تحت ضغط الداخل والخارج. فشمخاني، أحد أبرز وجوه المؤسسة العسكرية والأمنية للنظام منذ عهد الخميني، فتح صندوق أسرار النظام الإيراني، كاشفاً ما دأبت المقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق على فضحه طيلة العقود الماضية: السعي الحثيث وراء القنبلة النووية والكذب كأداة حكمٍ ممنهجة.
في سابقةٍ هي الأولى من نوعها، أقرّ شمخاني بحسرةٍ علنية أن النظام ارتكب خطأً استراتيجياً حين لم يصنع القنبلة النووية في بدايات الألفية. قال بالحرف: «يا ليتنا فكرنا في ذلك… اليوم ثبت أن إيران كان يجب أن تمتلك هذه القدرة»، مضيفاً أنه لو عاد به الزمن إلى الوراء «لسعى بالتأكيد إلى صناعتها».
بهذا التصريح، لم يكتفِ شمخاني بإظهار الندم، بل نسف كلّ الادعاءات الرسمية التي كرّرها النظام لعقود بأن برنامجه النووي “سلمي تماماً”. فهذه ليست وجهة نظر فردية، بل اعترافٌ من قلب المؤسسة التي كانت تشرف على أدقّ ملفات الأمن القومي، ما يؤكد أن المشروع النووي الإيراني كان منذ بدايته موجهاً لأغراضٍ عسكرية خالصة.
هذا التصريح يثبت صدقية ما كشفه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية منذ عام 2002، عندما فضح للمرة الأولى المواقع النووية السرية في نطنز وأراك. كما يعرّي أكذوبة “حوار الحضارات” التي روج لها خاتمي، والتي لم تكن سوى غطاءٍ دبلوماسي لتمرير مشروعٍ يهدف إلى امتلاك سلاحٍ ذري يضمن بقاء النظام وابتزازه للعالم.
إنّ حسرة شمخاني ليست سوى إعلان ندمٍ على عدم امتلاك “أداة الردع” التي كان الملالي يعتبرونها ضمانة لبقائهم، ما يكشف أن النظام ما زال يرى في السلاح النووي طوق نجاة، لا وسيلة توازن. وهو بذلك يؤكد أن التهديد النووي الإيراني ليس وهماً، بل عقيدة سياسية متجذّرة في تفكير قادة النظام.
لكن ما هو أكثر خطورة في تصريحات شمخاني كان اعترافه الصريح بأن الرئيس السابق حسن روحاني كان يعلم منذ اللحظة الأولى أن قوات الحرس الثوري هي من أسقطت الطائرة الأوكرانية المدنية عام 2020. قال شمخاني: «كنت أعلم، والرئيس كان يعلم… المسافة الزمنية بين علمي وعلمه كانت مجرد فصل وإعادة وصل مكالمة هاتفية».
بهذه الكلمات، دمر شمخاني الرواية الرسمية التي حاول روحاني تسويقها للعالم على مدى ثلاثة أيام، مدعياً أن الحادث “فني” وأنه لم يُبلَّغ بالحقيقة إلا بعد 72 ساعة. لكن الاعتراف الأخير يؤكد أن روحاني اختار الكذب عمداً لتجنّب الغضب الشعبي في الداخل والإدانة الدولية في الخارج.
الآن تتضح الصورة: النظام بأسره – من المرشد إلى الحكومة – شارك في عملية تضليل منظمة بحقّ ضحايا الطائرة الأوكرانية، الذين بلغ عددهم 176 شخصاً. هذه الجريمة لم تكن خطأً عسكرياً فحسب، بل جريمة متعمدة من الإخفاء والكذب.
الاعترافات الأخيرة تبرهن ما أعلنته أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في شباط/فبراير 2020، عندما أكدت أن روحاني كان على علمٍ فوري بسبب سقوط الطائرة، وأنّ هيئة الطيران المدني أبلغت الجهات العليا منذ اللحظة الأولى، لكنّ النظام قرر التعتيم لإخماد الغضب الشعبي الذي كان يتصاعد بعد احتجاجات تشرين الثاني/نوفمبر 2019.
هذه التصريحات هي شهادة من الداخل تُظهر كيف أنّ الصراعات بين أجنحة النظام جعلت كل طرفٍ يفضح الآخر. إنّ ما قاله شمخاني اليوم يضع النظام بأسره في قفص الاتهام: من البرنامج النووي إلى المجازر الداخلية والكذب المتعمّد في الكوارث. وهو الدليل الأحدث على صحة موقف المقاومة الإيرانية التي طالبت منذ سنوات بإحالة ملف النظام إلى مجلس الأمن الدولي ومحاكمته بتهمة جرائم ضد الإنسانية. فالذين يكذبون بشأن إسقاط طائرة مدنية ويحنّون إلى القنبلة النووية لا يمكن أن يكونوا شركاء في السلام أو ضامنين للاستقرار.

مهدي عقائبي
كاتب إيراني - عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
