في لحظات التحولات الكبرى، لا تأتي التسويات السياسية دائماً كأخبار مفرحة، بل كثيراً ما تصل مثقلة بتناقضاتها، حاملةً معها ما يمكن وصفه بـ«كأس السلام المر». هذا الوصف يكاد ينطبق بدقة على المشهد اللبناني المرتقب، حيث يلوح في الأفق واقع سياسي جديد قد يجد فيه اللبنانيون أنفسهم أمام اختبار صعب بين القبول والرفض، بين الأمل والخشية.
ففي بلد كلبنان، حيث تتداخل السياسة مع الذاكرة الجماعية، وحيث لا تزال جراح الماضي حاضرة في وجدان فئات واسعة من المجتمع، لا يمكن لأي تسوية أن تمر من دون أن تثير انقساماً حاداً. هناك من سيرى في هذا التحول خطأً تاريخياً، وتفريطاً بقضايا يعتبرها جوهرية، بل وربما دفناً لحقوق لم تُستكمل معاركها بعد. في المقابل، سيبرز تيار آخر ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، معتبراً أن هذه اللحظة قد تشكل فرصة نادرة لفتح صفحة جديدة، عنوانها الخروج من دوامة الأزمات المتكررة، والانطلاق نحو بناء دولة حقيقية.
هذا الانقسام ليس طارئاً على المجتمع اللبناني، بل هو امتداد طبيعي لتركيبته المعقدة وتجربته الطويلة مع التسويات السياسية. غير أن خطورته اليوم تكمن في حدّته المتوقعة، وفي تزامنه مع أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، ما يزيد من هشاشة الواقع الداخلي ويجعل أي شرخ إضافي أكثر عمقاً وتأثيراً.
ما بين من يتمسك بالذاكرة ويرفض تقديم التنازلات، ومن يدعو إلى مقاربة أكثر براغماتية ترى في التسوية مخرجاً ضرورياً، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لسلامٍ غير مكتمل أن يشكل أساساً لاستقرار مستدام؟ أم أنه سيكون مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل؟
الإجابة لا تتوقف فقط على طبيعة التسوية بحد ذاتها، بل على كيفية إدارتها. فالتجارب السابقة في لبنان أظهرت أن الاتفاقات التي تفتقر إلى الشفافية، أو التي تُبنى على توازنات هشة من دون إصلاحات حقيقية، سرعان ما تتحول إلى أزمات جديدة. من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة مختلفة، تقوم على وضوح في الرؤية، ومشروع فعلي لبناء مؤسسات الدولة، بدءاً من قضاء مستقل، وصولاً إلى إدارة عامة فعالة واقتصاد منتج.
إن السلام، مهما كان مرّاً، قد يكون ضرورة. لكن تحويله إلى فرصة يتطلب أكثر من مجرد توقيع اتفاق. يتطلب إرادة سياسية صادقة، وثقة شعبية تُبنى ولا تُفرض، ومساراً واضحاً يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
في النهاية، قد لا يكون السؤال ما إذا كان اللبنانيون سيقبلون بهذا «السلام المر»، بل كيف سيتعاملون معه: كتنازل مؤلم يُفرض عليهم، أم كنقطة انطلاق إلى مستقبل أفضل طال انتظاره.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
