تلوح في الأفق احتمالات اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، في لحظة يواجه فيها النظام في طهران أخطر تحدياته منذ ثورة عام 1979. فقد أدّت العقوبات الاقتصادية إلى شلّ الاقتصاد، فيما يزداد الشارع الساخط جرأة في مواجهة آلة القمع الصارمة للدولة. وعلى المستوى الاستراتيجي، تعاني إيران من سلسلة أزمات، تشمل ضغوطًا أميركية وإسرائيلية، وأضرارًا لحقت ببرنامجها النووي، إضافة إلى تراجع نفوذ شبكة حلفائها في لبنان والعراق واليمن وغزة.
ما يميّز هذه المرحلة عن سابقاتها هو التحذيرات الصريحة التي أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والتي لوّح فيها بإمكانية التدخل الأميركي في حال إقدام النظام الإيراني على قتل المتظاهرين. وجاءت هذه التحذيرات في وقت كانت فيه إدارة ترامب تدفع طهران إلى تفكيك منشآتها النووية، وتقليص برنامجها الصاروخي، ووقف تدخلها في شؤون الدول الأخرى. ومع ذلك، تدرك الإدارة الأميركية أن أي حرب شاملة مع إيران قد تشعل صراعًا داخليًا واسعًا وتفتح أبواب الفوضى في المنطقة بأسرها. وإذا ما أصدر ترامب أمرًا بتنفيذ هجوم، وهو احتمال مرتفع، فلن يكون الهدف إطلاق حرب عامة، بل إعادة ضبط مسار التفاوض لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من إيران.
الاستراتيجية الأميركية
يرى صانعو القرار في واشنطن أن اللحظة الراهنة مناسبة لتكثيف الضغط على إيران، نظرًا إلى عزلتها الاستراتيجية، وضعفها العسكري، وتفاقم السخط الشعبي في الداخل. ويأمل هؤلاء في انتزاع تنازلات قصوى تتعلق بالبرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي. كما يذهب بعضهم إلى حد الدعوة العلنية لتغيير النظام. وفي الواقع، يستند هذا المنطق إلى تراجع قدرة الردع الإيرانية، وضعف حلفائها، وهشاشة القيادة، واتساع رقعة المعارضة الداخلية.
غير أن استراتيجية ترامب تقوم على مبدأ “السلام عبر القوة”. فالقوة العسكرية ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لدفع المفاوضات نحو نتائج تخدم المصالح الأميركية. وتهدف الضربات العسكرية المحدودة والحاسمة إلى ردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء، وإظهار الجدية، من دون الانزلاق إلى صراع طويل الأمد يورّط الولايات المتحدة.
تسعى واشنطن بوضوح إلى إجبار طهران على العودة إلى طاولة التفاوض، معتمدةً على عقوبات اقتصادية واسعة، ولا سيما تلك التي تستهدف صادرات النفط الإيراني، بهدف تجفيف مصادر إيرادات النظام ومنعه من أي تعافٍ اقتصادي. وتهدف هذه السياسة إلى دفع إيران إلى الاستسلام، أو على الأقل إلى تقديم تنازلات كبيرة، من دون إشعال حرب إقليمية شاملة أو فرض تغيير النظام بالقوة. وبهذا، تستطيع الولايات المتحدة ضرب قلب النظام الإيراني، وامتصاص ردّ محدود، والحفاظ على التحكم بسقف التصعيد.
في الوقت نفسه، لا يرغب ترامب في ربط الملف الإيراني بالكامل بالأجندة الإسرائيلية. فقد حظي اللقاء الأخير بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بتغطية إعلامية محدودة على غير العادة. وجاء تصريح نائب الرئيس، جاي دي فانس، المعروف بتشككه في خيار الحرب مع إيران، ليؤكد أن ترامب وحده من يحدّد الخطوط الحمراء في المفاوضات مع طهران، في ما بدا ردًا على ضغوط نتنياهو الداعية إلى الحرب.
وعلى عكس نتنياهو، يفضّل ترامب منح الدبلوماسية فرصة إضافية، مع إبقاء الجاهزية لتعزيز موقع الولايات المتحدة التفاوضي وإقناع طهران بأن الضربة ستكون حتمية إذا لم تُبدِ أقصى درجات المرونة. ويريد ترامب هذه المرة التحكم الكامل بقرار الحرب، خلافًا لما حصل في حزيران/يونيو الماضي حين بدا أن إسرائيل هي من بادر إلى التصعيد.
تتطلب شروط نتنياهو للتوصل إلى اتفاق تنازلات جوهرية من إيران، تشمل منعها من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وإخراج المواد المخصّبة بنسبة 60 في المئة، وتدمير برنامجها الصاروخي، ووقف كل أشكال الدعم الإيراني لحلفائها الإقليميين. وإذ يخشى نتنياهو أن يصغي ترامب إلى دعوات قادة إقليميين لتفادي استخدام القوة أو الحدّ منها، اندفع إلى تسريع خطوات ضمّ أراضٍ في الضفة الغربية، الأمر الذي استدعى بيانًا من البيت الأبيض أعاد التأكيد على معارضة ترامب لهذه السياسة.
تتفق الولايات المتحدة وإسرائيل على أن إيران تشكّل تهديدًا يجب مواجهته، وأن الهدف المركزي هو منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك سلاح نووي وتوسيع نفوذها الإقليمي. لكن الخلاف يكمن في كيفية تحقيق هذا الهدف. فترامب يضع أولوية للتوصل إلى “اتفاق جيد”، من خلال استراتيجية الضغط الأقصى التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية والردع العسكري، فيما تشكك إسرائيل جوهريًا بإمكانية التوصل إلى اتفاق قابل للحياة مع طهران، معتبرةً أن المشكلة لا تكمن فقط في بنود أي اتفاق محتمل، بل في افتراض التزام إيران به على المدى الطويل.
وتهدف زيارات نتنياهو المتكررة إلى واشنطن، إضافة إلى مواجهة إيران، إلى تحسين صورة إسرائيل الدولية التي تضررت في الولايات المتحدة وأوروبا، ما قلّص استعداد واشنطن لتقديم دعم غير مشروط لعملية عسكرية إسرائيلية شاملة ضد إيران. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يبقى الاستقرار الإقليمي والعالمي أولوية أعلى، ما يفرض عليها مراعاة أسواق الطاقة ومخاطر التصعيد الإقليمي. وقد يتيح التوصل إلى اتفاق كسب بعض الوقت ومنع اندلاع صراعات أوسع، حتى وإن لم يلبِّ جميع الهواجس الأمنية الإسرائيلية.
مخاطر التصعيد
عزّزت العملية الأميركية في فنزويلا القناعة بأن واشنطن مستعدة لاستهداف رأس السلطة في دولة ذات سيادة لتحقيق أهدافها. وعلى الرغم من اختلاف السياق الإيراني، بات صانعو القرار في طهران يعتقدون أن إسقاط قمة الهرم السياسي لم يعد خيارًا مستبعدًا لدى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يتعين على واشنطن تحقيق توازن دقيق. فالمساومة عبر القوة قد تأتي بنتائج عكسية، حتى عندما يحاول الطرفان تجنّب حرب شاملة، إذ إن سوء التقدير أو إساءة قراءة نيات الخصم قد يدفعان إلى تجاوز الأهداف الأصلية. وعندما تصبح القوة لغة التواصل، تتشوّه الإشارات، وقد تتحول إجراءات الردع إلى استفزاز غير مقصود. وفي هذا المناخ، يصبح الفاصل بين التصعيد المضبوط والانفجار الشامل رفيعًا للغاية، ولا يُدرك أحيانًا إلا بعد فوات الأوان.
لم يعد السؤال ما إذا كانت القوة ستُستخدم، بل ما إذا كان يمكن استخدامها من دون فتح الباب أمام صراع يصعب احتواؤه. فهذه هي مفارقة المساومة بالقوة: فهي تُستخدم لتجنّب الحرب، لكنها في الوقت نفسه تقرّب حدوثها. هكذا، تتحرك إيران والولايات المتحدة في ممر ضيّق، حيث لكل إشارة وزنها، ولكل خطوة تبعاتها، فيما يتقلّص هامش الخطأ بوتيرة مقلقة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا للولايات المتحدة، بالتالي، يتمثل في توجيه ضربة قاصمة لقيادة النظام (قد تشمل المرشد الأعلى، علي خامنئي، أو قيادات عسكرية وسياسية بارزة)، وتدمير البنية التحتية الصاروخية، ومراكز القيادة والسيطرة، واعتماد استراتيجية الهيمنة بدل التصعيد المتدرّج.
أما بالنسبة إلى إيران، فإن الإفراط في التفاؤل حيال التفاوض مع واشنطن قد يكون مضللًا أو خطيرًا. فقبول شروط ترامب يعني عمليًا استسلامًا يجرّد النظام من هويته الأيديولوجية، وهو ما ترفضه طهران قطعًا. وفي المقابل، تواجه إيران حسابات صعبة، إذ من المرجح أن يشمل أي هجوم أميركي عمليات بحرية وإنزالًا لقوات خاصة، إضافة إلى ضربات جوية، وقد يفتح الباب أمام تمرّدات حضرية واسعة قد تفضي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام.
لقد أدّى الحشد العسكري الأميركي الضخم وتصعيد الخطاب إلى تضييق هامش تراجع ترامب من دون تحقيق تنازلات جوهرية في الملف النووي الإيراني. ويرى مستشارو الرئيس أن نشر القوة ليس مجرد ضغط رمزي، بل مؤشر إلى الجاهزية الفعلية للتحرك. وفي المقابل، لا تظهر أي مؤشرات على تراجع طهران عن مواقفها، إذ تؤكد باستمرار أنها لن تفاوض الولايات المتحدة إلا حول الملف النووي، وترفض بشكل قاطع إدراج برنامجها الصاروخي أو نشاطها الإقليمي ضمن أي محادثات.
ولا تزال تجربتا العراق وأفغانستان حاضرتين في الذاكرة الأميركية، نظرًا إلى كلفتهما البشرية والمالية، وإلى الصورة التي ترسخت عن الولايات المتحدة كقوة مهيمنة. وعلى الرغم من تداول فكرة تغيير النظام الإيراني في الأوساط السياسية الأميركية منذ عقود، فإنها لم تتحول يومًا إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ. فرغم الأزمات الداخلية والعقوبات الخانقة، أثبت النظام الإيراني قدرته على الصمود، مستندًا إلى جهاز أمني-عسكري متماسك، وشبكة تحالفات إقليمية ودولية.
وفي حال اندلاع الحرب، لن تبقى مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل ستنعكس على أمن الخليج والعراق وسوريا ولبنان، وقد تمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة العالمية، مهدِّدةً الاقتصاد الدولي بأزمة جديدة. لذلك، تجعل حسابات الكلفة والعائد لدى الطرفين من الحرب الشاملة تهديدًا قائمًا أكثر منها احتمالًا وشيكًا.
إن اهتمام ترامب بالاحتجاجات الإيرانية تحكمه اعتبارات تكتيكية لا أيديولوجية، إذ يبدو الهدف إضعاف النظام بما يكفي لانتزاع تنازلات كبيرة. ويقوم الهيكل الأمني للنظام الإيراني على الحرس الثوري الإيراني وقوات “الباسيج” شبه العسكرية. ولكي تنجح الاحتجاجات، لا بد من استمرارها لفترات أطول بكثير مما كان عليه الحال سابقًا، مع حدوث انشقاقات داخل قطاعات أساسية، ولا سيما الأجهزة الأمنية. غير أن فشل الاحتجاجات الحالية والضغوط الخارجية في إحداث شرخ داخل المنظومة الأمنية يدل على قدرة النظام على تجاوز هذه التحديات.
كذلك، لا توجد معارضة إيرانية منظّمة وموثوقة يمكن للولايات المتحدة الاعتماد عليها لإحداث تغيير سياسي جذري. كما لا تنوي واشنطن إرسال قوات برية إلى إيران أو شن حملة جوية واسعة وطويلة الأمد، وهي شروط أساسية لإسقاط نظام بحجم النظام الإيراني. وحتى اغتيال المرشد الأعلى لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام، لأن بنية السلطة لا تقوم على شخص واحد، بل على شبكة مؤسسات، في مقدّمها الحرس الثوري، الذي لن يتخلى بسهولة عن نفوذه، وقد يسارع إلى تعيين قيادة بديلة للإمساك بزمام السلطة.
وحتى في حال سقوط النظام، فإن ذلك لن يحوّل إيران تلقائيًا إلى دولة ديمقراطية، بل قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية على السلطة، تقود إلى الفوضى أو حتى إلى حرب أهلية.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / هلال خشان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
