أنا لا أبحث عن توازنٍ أخلاقي بين دبابةٍ تحرس حدود مشروعها الاستيطاني، ومصرفٍ يحرس حدود تراكم ثروات أصحابه؛ بل أبحث عن القاعدة المادّية التي تجمعهما: تراكمٌ عبر نزع الملكية. هناك تُنتزع الأرض لتستمر آلة الاستيطان، وهنا يُنتزع الزمن الاجتماعي المودَع في النقود لتستمر آلة الريع المالي.
كلاهما يحتاج دولةً تُدير القسر، وقانوناً يُلبس النهب قفّازاً أبيض، وخطاباً يزرع فينا القلق والخوف: «أمن قومي» هناك و«استقرار نقدي» هنا. التناقض ليس بين أفكار حسنة وأخرى سيّئة؛ التناقض بين مصلحة طبقة تملك أدوات العنف ورأس المال، وبين مصلحة شعب يريد استعادة شروط إعادة إنتاج حياته: مكاناً يسكنه، ومالاً يسنده في ضيقه، وزمناً لا يُصادَر فيخلو العمر فيه من العيش.
تقنية «النهب المؤسَّس» — كيف يُعاد إنتاج السيطرة على أرض الواقع؟
تعريف مكثّف: منظومة تراكم تُحوِّل موارد مشتركة (حيّز/نقود) إلى رأس مال خاص، عبر جهاز قسر منظَّم (عسكري أو قانوني–مالي)، وبنية أيديولوجية تجعل الاستثناء قاعدةً دائمة.
- من التملّك إلى إعادة الإنتاج
• الاستيطان ليس حدثاً سياسياً طارئاً؛ إنّه شرط إنتاج: أمن/لوجستيات/شبكات إمداد/مستوطنات.
• «الهندسة المالية» سابقاً و«المصرفية» لاحقاً في اقتصاد ريعي منخفض الإنتاجية ليستا خطأً تقنياً؛ إنّهما شرط بقاء رأس المال المالي عبر ترحيل كلفة الخسائر إلى عامة المجتمع. - عنف مادّي… وعنف قانوني
• هناك: حواجز، جدار، خرائط تُحرَّك على الورق وتُثبَّت بالقوّة.
• هنا: تعاميم، أسعار صرف متعددة، سقوف سحب—خرائط ملكية تُمحى بالأختام عبر تغيير اسم المصرف أو إعادة تعويمه بالدعاية والإعلام.
كلاهما قوّة عملٍ ضد المجتمع تمنح الطبقة المهيمنة الوقت والمساحة لإعادة التموضع. - البنية الفوقية كقوّة مادّية
الأيديولوجيا ليست ديكوراً. هي مؤسسة: محكمة تُؤبّد مفعول الطوارئ، مصرف مركزي يُدير الندرة، إعلام يُنتج سردية «البديل أسوأ». الفوقي يحرس التحتي ويتغذّى منه. - التناقض الطبقي الصريح
• مصلحة المُهيمن: تعميم الأكلاف وتخصيص العائد، بشعارات طائفية مضلّلة.
• مصلحة العموم: سلطة على شروط العيش: حيّز/مال/زمن.
• نتيجة الصراع: إمّا تثبيت الاستثناء كنظام، أو كسره بتوحيد مطلب قابل للتمثيل المؤسسي.
تطبيقٌ مزدوج — استيطانٌ على الأرض واستيطانٌ مالي
- الاستعمار المسلّح: نزع الحيّز كآلية تراكم
أسمّيه تراكماً أولياً دائماً: تحويل الأرض من فضاء معيشي إلى أصل رأسمالي (سكن، زراعة، ممرّات، موارد). جهاز القسر يُنظّم الحركة، يقطع الجغرافيا، ويعيد توزيع «الحق في الوجود».
النتيجة: إضعاف قدرة السكان الأصليين على إعادة إنتاج حياتهم (وقت ضائع، عمل مخنوق، خدمات متدهورة)، ودفعٌ تدريجي نحو النزوح.
التناقض العامل: المشروع الاستيطاني يطلب أرضاً رخيصة وأمناً رخيصاً؛ والمجتمع يطلب بقاءً كريماً داخل حيّزه. كلّ تفكيك لشرعية «الاستثناء الأمني» يرفع كلفة التوسّع على مُنتجه لا على ضحيّته.
- الجناية المصرفية–السياسية: نزع الملكية المالية كآلية تراكم
أسميه الاستيطان المالي: لا تتحرّك فيه الدبابات بل الجداول. تُجمَّد الودائع، تُجزّأ النقود، تُرحَّل الخسائر إلى الأجور والخدمات. الادّخار—وهو زمن اجتماعي متراكم—يُعاد توزيعه صعوداً.
الدولة تُدار كلجنة لمصالح الطبقة المالية: حالة طوارئ مفتوحة، اعتراف مؤجّل بالخسائر، بيع أصول عامة بثمن الأزمة.
التناقض العامل: هل تُقاس «السلامة» بميزانيات المصارف أم بقدرة الناس على الوصول إلى أموالهم وحماية أجرهم الحقيقي؟
التحويل المطلوب: من سلامة رأس المال إلى سلامة إعادة إنتاج المجتمع، عبر:
- جدول خسائر تصاعدي بحسب القدرة والمسؤولية.
- تدقيق نافذ.
- آلية ردّ ودائع عادلة تدريجية.
- قوننة تُنهي شرعية الطوارئ النقدية الحاضنة للفساد.
- الخيط المادّي الناظم
- هناك يُنتزع المكان؛ هنا يُنتزع الزمن الاجتماعي المموضع في النقود.
- هناك تُجزّأ الجغرافيا لشلّ الحركة؛ هنا يُجزّأ المجتمع لشلّ التمثيل بقانون انتخاب عادل.
- هناك تُحمى ربحيّة المشروع الاستيطاني؛ هنا تُحمى ربحيّة رأس المال المالي.
- العنوان واحد: حماية معدل الربح لا شروط العيش.
تركيبٌ على الأرض… لا في الرأس
لا يكفي تغيير القاموس. المطلوب توزيع جديد للقوّة:
• في ملف الاستعمار: رفع الكلفة المادّية والقانونية للتوسّع وتمكين السكان من إعادة إنتاج حياتهم داخل حيّزهم.
• في ملف الاستيطان المالي: تجريم النهب المموّه، استقلال فعلي للرقابة والقضاء، ضرائب استثنائية على الريوع غير المنتجة، وجدولة خسائر تحمي الضعفاء وتحمّل المسؤولين كلفة فعلهم.
الخلاصة التي أتبنّاها
إمّا أن يبقى الاستثناء سيّد اللعبة باسم «الأمن» و«الاستقرار»، وإمّا أن يُعاد تعريف «السلامة» جذريًا: سلامة الأرض كحقّ سكن ووجود، وسلامة المال كحقّ ادّخار وعدالة توزيع.
هنا تتغيّر البنية، وهنا فقط يتراجع الخطاب من سيّد على الواقع إلى تابعٍ له.
هنا فقط يصبح المصرف وإسرائيل عملتين مختلفتين لا وجهين لعملة واحدة.

كارلو جليان
كاتب لبناني يتناول الفكر الاجتماعي والسياسي بأسلوب أدبي فلسفي/اجتماعي. يمزج الفكر النقدي مع تحليل الوضع الوطني اللبناني، مع اهتمام بمفاهيم مثل الهوية، البرجوازية، التأثر الفكري، والتحديات المجتمعية.
