كيف يُنسب الفعل إلى «مجهول» والسرقة إلى «فجوة»، والمواطن إلى «ملحق تفسيري»؟

في بلادٍ أخرى، حين يختفي المال، تُفتح تحقيقات. هنا، حين يختفي المال، تُفتح ندوات.

في بلادٍ أخرى، حين تُنهب الودائع، يسمّونها “نهباً”. هنا، يسمّونها “فجوة مالية”. والفجوة كما نعرف ليست جريمة، بل ظاهرة طبيعية: مثل الكسوف، مثل الزلازل، مثل انقطاع الكهرباء بسبب عاصفة عاتية… مع فارق بسيط: الزلازل لا تُحوِّل أموالها إلى الخارج.

مرحباً بك في جمهورية تحريف الوعي: البلد الوحيد الذي لا يسرقك فيه اللص، بل حيث يسرق القاموس وعيك أولاً… ثم يسلّمك إلى اللص بابتسامة وطنية.

عندما يصبح الخازوق رقمياً ومذّهبياً

“فجوة” كلمة محترمة. فيها رقيّ هندسي، تعطي انطباعاً أن المشكلة في الحسابات، لا في الأخلاق. كأن المال “ضلّ الطريق” ووقع بين دفاتر المصرف المركزي في فجوة طبيعية بالصدفة.

والأذكى أن “الفجوة” لا تحتاج فاعلاً. لا تحتاج اسم مصرف. لا تحتاج اسم سياسي. لا تحتاج اسم قاضٍ نائم. لا تحتاج إلا خبيراً يشرح لك على الشاشة أن “الأرقام معقّدة”، ثم يغمز: لا تدقّق كثيراً… قد تفسد عليك الوطنية.

وفي هذا البلد، الوطنية هي أن تتقبّل الخازوق على أنه “فجوة”، لأن تسميته خازوقاً “خطاب شعبوي”، واعتباره سرقة “تحريض”، ومساءلة الفاعلين “تهديد للسلم الأهلي”… والسلم الأهلي عندنا حساس جداً: يسقط إذا ارتفعت نبرة صوتك، لكنه لا يسقط إذا اختفت مليارات.

الدولة: هذا الكائن الخرافي المجهول الذي يظهر في الخطاب ويختفي في الواقع

السياسي يقول لك: “الدولة يجب أن تتحمّل”. جميل. لكن أي دولة؟ وأين تسكن؟

“الدولة” عندنا تشبه إشارة الـWi-Fi: موجودة على الهاتف، لكنها لا تعمل. تظهر في الخطب كوحشٍ أسطوري ضخم… ثم إذا أردت خدمة بسيطة، تكتشف أنها قطة صغيرة خائفة من موظف أرشيف.

يتكلمون عن الدولة وينسون أن هناك سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية. لأن ذكر السلطات يفتح سؤالاً مقرفاً: من المسؤول؟ وهذا السؤال غير مناسب للهواء اللبناني، لأنه يسبّب حساسية وطنية حادة، وقد يؤذي معنويات الفساد.

لذلك، نستخدم “الدولة” ككلمة مطّاطة: كلما زادت المصيبة، زدنا حجم الكلمة. وعندما يسأل المواطن: “من قرر؟ من وقع؟ من شرّع؟” نجيبه بالعبارة الذهبية: “الظروف الإستثنائية”. فالظروف عندنا هي الحاكم الفعلي: تُقرّر، تُنفّذ، تُحاسب، ثم تبرّئ نفسها.

السيادة: عطرٌ فرنسي على جثة قرار داخلي

السيادة في لبنان ليست ممارسة، بل بخّاخ. ترشّ منه على الهواء حين تزورك قناة تلفزيونية، ثم تعود لتكمل حياتك تحت سقف القرارات المستعارة.

يتكلمون عن السيادة… ويكبتون ضرورة استقلال القرار الداخلي. وهنا المفارقة اللذيذة: نصرخ “السيادة” في وجه الداخل، ثم نرتجف أمام الخارج. نحارب التدخل الخارجي نظرياً، ونحتفل بالمناكفات الداخلية إعلامياً، شرط أن يكون اي تدخل فيه مصلحة شخصية.

السيادة عندنا مثل ختم رسمي على ورقة فارغة: منظرها جميل، محتواها صفر، لكن لا أحد يجرؤ على قول ذلك لأن الختم “مقدّس”.

قدسية الحدود: حدودٌ نظيفة… وداخلٌ مهترئ كالحذاء

حدود الوطن مقدّسة. أما داخل الوطن… فليأخذ الله بيده.

الحدود تُلمع، تُقدس، تُصور، تُحاضر عنها المدارس، وتُنشد لها الأناشيد. لكن الإنماء؟ لا وقت. المدرسة؟ لاحقاً. المستشفى؟ “على مسؤوليته”. الكهرباء؟ “قيد المتابعة”. الناس؟ “الله يعين”.

نحن شعب يحرس سور البيت بحماسة، ونختلف من هو الضيف ومن هو المحتل، بينما البيت نفسه يتهاوى. نقف على الحدود كالحراس العظماء… ثم نعود إلى الداخل لنعيش بلا ماء، بلا عدالة، بلا نقل، بلا ضمان، وبلا فكرة واضحة عمّن سرقنا أصلاً.

قاموس تحريف الوعي: طب عربي للسرقة الحديثة

حتى لا تصاب بالصدمة، تفضل هذا الدليل المختصر:

  • سرقة = سوء إدارة
  • نهب منظّم = تراكمات
  • إفلاس = تعثّر
  • جريمة مالية = فجوة
  • فشل دولة = تعقيدات المرحلة
  • غياب محاسبة = حفاظاً على الاستقرار
  • قضاء مُعطَّل = استقلالية القضاء (نعم، سخرية القدر رسمية)
  • مواطن مسروق = شريك في الحل
  • الحل = خطة
  • الخطة = ورقة
  • الورقة = نوايا
  • النوايا = قريباً
  • وبالطبع، قريباً ليست زمناً… إنها طريقة عيش.

في لبنان، الوعي يُزوَّر قبل الانتخابات… وبعدها… وبينهما أيضاً

تحريف الوعي هنا ليس خطأ إعلامياً. إنه سياسة عامة: أن تُجرد الواقع من فاعليه، وتُعقّم المصطلحات كي لا تجرح الفاسدين، وتُربّي المواطن على مهارة واحدة: البلع بصمت. والأفظع: أن تُقنعه أن الصراخ على السرقة “فتنة”، بينما السرقة نفسها “توازنات”.

أن تُقنعه أن تسمية الأشياء بأسمائها “شعبوية”، بينما إعادة تسميتها “حكمة دولة”. أن تُقنعه أن غضبه خطر، بينما سرقته “إجراء اضطراري”.

في هذا البلد، الحقيقة ليست ممنوعة… لكنها تُستبدل بنسخةٍ معدّلة، “خفيفة على القلب”، “سهلة الهضم”، “مناسبة للعائلة”… مثل إعلان شامبو فوق رأسٍ محروق.

ويبقى السؤال الوحيد الذي يخيف كل هذا المسرح: ليس “كم الفجوة؟” بل: من فتحها… وبأي مفتاح… وتحت أي حماية… ولماذا ما زال يشرح لنا على تلفاز يبيع الهواء ليجني الثروات؟

مقالات الكاتب

كارلو جليان

كاتب لبناني يتناول الفكر الاجتماعي والسياسي بأسلوب أدبي فلسفي/اجتماعي. يمزج الفكر النقدي مع تحليل الوضع الوطني اللبناني، مع اهتمام بمفاهيم مثل الهوية، البرجوازية، التأثر الفكري، والتحديات المجتمعية.