من عنجر إلى «أبو عمر»: حين تتبدّل الأبواب ويبقى الارتهان

لم تكن قضية المدعو «أبو عمر» مجرّد حادثة نصب واحتيال، بل شكّلت لحظة كاشفة لهشاشة عميقة في بنية الحياة السياسية اللبنانية. فأن يتمكّن شخص واحد، عبر مكالمات هاتفية ورسائل منسوبة زورًا إلى عواصم القرار، من خداع سياسيين ونواب وشخصيات حزبية من الصفوف الأولى، فهذا لا يُقرأ كخلل أمني فحسب، بل كعارٍ سياسي متراكم.

الفضيحة لا تكمن في فعل المحتال وحده، بل في القابلية المزمنة لدى جزء من الطبقة السياسية للارتهان للخارج، والبحث عن الشرعية خارج الدولة، ولو على حساب السيادة التي يكثر التباهي بها في الخطاب العام.

عنجر… الباب العالي للوصاية

في الحقبة السورية، كان طريق السلطة في لبنان يمرّ إلزاميًا عبر بلدة عنجر. هناك، على مقربة من الحدود الشرقية، أقيم مقرّ قيادة المخابرات السورية الذي تحوّل، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، إلى بوابة عبور إلزامية لكل من طمح إلى النيابة أو الوزارة أو حتى الرئاسة. الوقوف على أبواب ضباط مثل غازي كنعان أو رستم غزالة لم يكن استثناءً، بل ممارسة اعتيادية تُدار من خلالها التوازنات السياسية وتُمنح الأذونات.

لم يكن هذا الارتهان خفيًا ولا مواربًا. كان معلومًا، مُعلَنًا، ومقبولًا من معظم أهل السياسة، الذين استساغوا الإذلال مقابل البقاء في السلطة، ودفعوا أثمانه تخليهم عن شرفهم تارة، ومن المال العام ومن كرامة الدولة تارة اخرى.

«أبو عمر»… الوصاية بلا عنوان

بعد انسحاب الجيش السوري وسقوط «الباب العالي» القديم، إضافة إلى التغيرات الجذرية في الإقليم، لم تُصحّح الذهنية السياسية نفسها. ما تغيّر هو الشكل لا الجوهر. فجاء «أبو عمر» — مجرّد وهم — ليكشف أن المشكلة لم تكن في عنجر ولا في دمشق، بل في طبقة سياسية لم تفطم نفسها يومًا عن عادة الاستقواء بالخارج.

المثير للسخرية السوداء أن كثيرين ممّن وقعوا في الفخ هم أنفسهم من يرفعون لواء السيادة ويرفضون الوصاية. بعضهم دفع أموالًا، وبعضهم أعاد رسم تحالفاته، وكأن الدولة اللبنانية ومؤسساتها لم تعد مرجعًا، بل تفصيلًا يمكن تجاوزه بمكالمة هاتفية.

الذلّ كمنهج سياسي

ما يجمع الحقبتين ليس الأشخاص ولا الدول، بل الذهنية. «القبلة» لدى هؤلاء ليست وطنًا ولا دستورًا، بل حيث يوجد صاحب القرار. إليها يحجّون حين تضيق الخيارات، ويعتمرون حين تلوح فرصة سلطة. وحين يكون الباب وهميًا، يسقطون فيه بلا تردّد، لأنهم اعتادوا أصلًا على الانصياع.

الخطير في هذه الواقعة أنها كشفت هشاشة ما يُسمّى «الحنكة السياسية»، وأسقطت القناع عن طبقة اشترت مواقعها بالمال المنهوب من اللبنانيين، ثم بحثت عن من يحمي هذه المواقع في الخارج.

القضاء والشعب أمام اختبار

العين اليوم على القضاء اللبناني، ليس فقط لمحاسبة «أبو عمر»، بل لفضح كل من تواصل وتواطأ وبنى حساباته السياسية على هذا الوهم. فالمحاسبة الانتقائية تُفرغ العدالة من معناها، فيما الحقيقة الكاملة وحدها تشكّل بداية المسار الإصلاحي.

وفي الموازاة، تقع المسؤولية الأكبر على الشعب اللبناني. فهذه الفضيحة ليست مرآة للسياسيين وحدهم، بل إنذار للناخبين بضرورة القطع مع الزبائنية والطائفية، والتوجّه نحو مواطنة حقيقية تُعيد السياسة إلى معناها الطبيعي: خدمة الصالح العام، لا سباقًا على أبواب الخارج.

من عنجر إلى «أبو عمر»، تبدّلت الأسماء وسقطت العناوين، لكن السؤال بقي واحدًا: متى يُغلق باب الارتهان نهائيًا، ويُفتح باب الدولة؟

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.