لم يعد الصراع بين طهران وواشنطن محصوراً في ميادين تقليدية كالقواعد العسكرية أو الممرات البحرية أو الأهداف الحساسة، بل يبدو أن هذا الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تصبح المؤسسات الأكاديمية نفسها جزءاً من معادلة الردع والتصعيد.
حتى الآن، لا إدانة رسمية أميركية للقصف الذي استهدف جامعتي “إيران للعلم والتكنولوجيا” و”أصفهان للتكنولوجيا”. وكان الحرس الثوري الإيراني قد منح واشنطن مهلة حتى ظهر 30 مارس/آذار المنصرم لإصدار إدانة رسمية، مهدداً باستهداف جامعات مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل في المنطقة في حال عدم صدور الإدانة. من هنا تتصاعد المخاوف من انتقال المواجهة إلى ضرب أهداف غير مسبوقة، بما يهدد بتحويل الجامعات الأكاديمية من مساحات للعلم إلى ساحات للصراع السياسي والأمني.
هذا التحول يعكس تغيراً نوعياً في قواعد الاشتباك. فطهران، التي تتبنى خطاب “المعاملة بالمثل”، تسعى إلى توسيع مفهوم الأهداف المشروعة ليشمل ما تعتبره بنية داعمة للقدرات الاستراتيجية، حتى وإن كانت مغطاة بغطاء أكاديمي. وفي المقابل، ترى واشنطن أن استهداف الجامعات، خاصة تلك المنتشرة في دول الخليج، يشكل تجاوزاً خطيراً لكل الخطوط الحمراء، نظراً لطبيعتها المدنية الصرفة وارتباطها المباشر بالمجتمعات المحلية والدولية.
غير أن جوهر الإشكالية يكمن في تضارب الروايات. فبينما تؤكد طهران أن الجامعات الإيرانية التي تعرضت للقصف هي مؤسسات علمية مدنية، تصرّ الاستخبارات الغربية، وخاصة الأميركية والإسرائيلية منها، على أنها كانت منخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في برامج بحثية ذات طابع عسكري متقدم، تشمل تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والفرط صوتية. هذا التباين لا يقتصر على البعد الإعلامي فقط، بل ينعكس على طبيعة الردود المحتملة، حيث يصبح كل طرف مقتنعاً بشرعية موقفه.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط التهديد بحد ذاته، بل ما يرافقه من مؤشرات على جدية التنفيذ. فتقارير الحرس الثوري الإيراني التي تتحدث عن ضربتين شبه محسومتين، بغض النظر عن الموقف الأميركي، حتى ولو صدرت عنه إدانة رسمية لقصف الجامعتين الأكاديميتين، تعني أن التصعيد سيدخل مرحلة “الرسائل غير القابلة للتراجع”. كما أن الإجراءات الأمنية المشددة، وإخلاء محيط الجامعات، والتحول السريع إلى التعليم عن بُعد، كلها تدل على أن الجهات المعنية تتعامل مع التهديد باعتباره واقعاً محتملاً، لا مجرد حرب نفسية.
في المقابل، يثير الصمت الأميركي تساؤلات عميقة. هل تراهن واشنطن على أن التهديد الإيراني يندرج ضمن إطار الضغط السياسي ولن يُنفذ؟ أم أنها تستعد لرد محسوب يهدف إلى احتواء التصعيد دون الانجرار إلى مواجهة شاملة؟ هذا الغموض قد يكون بحد ذاته جزءاً من استراتيجية الردع، لكنه يحمل في عمقه مخاطر سوء التقدير، وهو العامل الأكثر خطورة في مثل هذه الأزمات.
إذا ما تم تنفيذ هذه التهديدات، فإن العالم سيواجه سابقة خطيرة، حيث تتحول الجامعات في المنطقة إلى أهداف ضمن بنك الصراع. وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام فوضى في تعريف “الأهداف المشروعة”، ويهدد بإدخال مؤسسات مدنية أخرى في دائرة الاستهداف مستقبلاً. كما أن تداعيات ذلك لن تقتصر على البعد العسكري والاستخباراتي، بل ستطال سمعة المنطقة كبيئة تعليمية واستثمارية ناجحة، وقد تدفع آلاف الطلاب والأكاديميين إلى إعادة النظر في خياراتهم.
وعليه، لا تبدو المسألة مجرد تصعيد عابر، بل مؤشراً على تحول أعمق في طبيعة الصراع الدائر. وبين منطق الردع ومنطق الانزلاق، يقف العالم أمام لحظة دقيقة قد تعيد رسم حدود المواجهة، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل تبقى الجامعات الأكاديمية ملاذاً للعلم، أم تصبح جبهة جديدة في حروب القرن الحادي والعشرين؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
