إعتقال لحظة هاربة… عندما يحاول الأدب أن يوقف الزمن

تُعَدُّ الكاتبة السورية غادة السمان من أبرز الأصوات الأدبية في الأدب العربي المعاصر، وقد عُرفت بكتابتها التي تمزج بين الحساسية الشعرية والتأمل الفكري. وفي هذا السياق يندرج كتابها «إعتقال لحظة هاربة»، الذي صدر في بيروت عام 1979 عن منشورات غادة السمان، وهو عملٌ أدبيٌّ يضمُّ مجموعةً من النصوص النثرية القصيرة التي تمزج بين التأمل والشعر. وعلى الرغم من صِغَر حجمه، فإنه يمثِّل تجربةً لافتةً في مسار الكاتبة، إذ يقدِّم نموذجًا للكتابة التي تسعى إلى الإمساك باللحظة الإنسانية العابرة قبل أن تذوب في حركة الزمن. ومنذ العنوان، يعلن الكتاب عن مشروعه الجمالي: تحويل اللحظة الهاربة إلى أثرٍ أدبيٍّ قادرٍ على البقاء، وكأن النص ذاته محاولة واعية لمقاومة الفناء عبر اللغة.

لا يقدِّم هذا العمل حكايةً متصلةً أو بنيةً سرديةً تقليدية، بل يقوم على نصوصٍ قصيرةٍ تشبه الومضات الفكرية أو الاعترافات الداخلية. ولهذا يبدو القارئ وكأنه يدخل إلى مساحةٍ من التأملات الشخصية، حيث تتحول اللغة إلى وسيلةٍ لاكتشاف الذات والعالم معًا. فالنصوص هنا لا تروي أحداثًا بقدر ما تحاول أن تكشف حالاتٍ شعوريةً يعيشها الإنسان في لحظات الصمت الداخلي: لحظة حب، أو حنين، أو قلق، أو تساؤل وجودي. هذا الشكل الكتابي يضع العمل ضمن تقليد أدبي قريب من «شعر النثر» أو الكتابة التأملية المكثفة، حيث تصبح الفكرة مكثفة إلى الحد الذي يجعلها أقرب إلى ومضة إدراكية منها إلى سرد ممتد.

ومن الناحية الأسلوبية، تتميَّز كتابة غادة السمان في هذا الكتاب بما يمكن تسميته اقتصاد اللغة وكثافة الدلالة. فالجملة قصيرة، لكنها مشبعةٌ بالإيحاء. والصورة الأدبية لا تأتي بوصفها زينةً لغوية، بل كوسيلةٍ للتفكير والتأمل. وهكذا تتحول العبارة إلى ومضةٍ تختصر تجربةً شعوريةً كاملةً في كلماتٍ قليلة. وهذا الأسلوب يمنح النصوص طابعًا قريبًا من الشعر، حتى وهي مكتوبةٌ في قالبٍ نثري. وإذا ما قورن هذا الأسلوب بتيارات أخرى في الأدب العربي الحديث، يمكن ملاحظة تقاطعه مع تجارب كتّاب اعتمدوا التكثيف والتلميح بدل السرد التفصيلي، حيث تصبح اللغة مجالًا للاقتصاد الدلالي لا للإسهاب.

العنوان نفسه يحمل دلالةً فلسفيةً لافتة. فاللحظة الهاربة ليست مجرد زمنٍ عابر، بل رمزٌ للحياة الإنسانية التي تتشكل من لحظاتٍ صغيرةٍ سرعان ما تمرّ وتتحول إلى ذكريات. أمَّا «اعتقالها» فليس فعل قيدٍ بقدر ما هو فعل إنقاذ. وكأن الأدب، في تصور الكاتبة، قادرٌ على أن يمنح اللحظة حياةً أخرى داخل اللغة، في عالمٍ يتبدد فيه كلُّ شيء بسرعة. بهذا المعنى، لا يعود العنوان مجرد تسمية، بل يتحول إلى أطروحة فكرية حول وظيفة الأدب: هل هو تسجيل للواقع، أم إعادة خلق له داخل فضاء لغوي موازٍ؟

ومن هنا يمكن قراءة هذا الكتاب بوصفه تأملًا في علاقة الإنسان بالزمن. فالإنسان يعيش حياته من خلال لحظاتٍ متفرقة، لكنه لا يستطيع الاحتفاظ بها كلها. الأدب وحده ربما يمتلك القدرة على إعادة بناء هذه اللحظات ومنحها معنىً جديدًا. وفي هذا المعنى يتحول النص الأدبي إلى نوعٍ من الذاكرة البديلة للحياة. غير أن هذه الذاكرة ليست محايدة، بل انتقائية ومشحونة برؤية الكاتب، ما يجعل كل نص ليس مجرد حفظ للحظة، بل إعادة تفسير لها.

ويحضر في الكتاب أيضًا شعورٌ واضحٌ بالاغتراب الإنساني. فالكاتبة تبدو في كثيرٍ من المقاطع كأنها تقف على هامش العالم، تراقبه وتتأمل علاقاته وأسئلته. إنها تكتب عن الحب والحرية والعلاقة بالآخر، لكنها تفعل ذلك بنبرةٍ تأمليةٍ لا تقدم أجوبةً جاهزة، بل تترك النص مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددة من القراءة. هذا الانفتاح يمنح النصوص طابعًا حواريًا ضمنيًا مع القارئ، حيث لا يُطلب منه تلقي المعنى فقط، بل المشاركة في إنتاجه.

ولا يمكن فصل هذا العمل عن السياق الثقافي الذي ظهر فيه. فقد كُتب في مرحلةٍ كانت بيروت خلالها مدينةً تضجُّ بالحياة الثقافية، لكنها كانت تعيش في الوقت نفسه قلقًا سياسيًا عميقًا. وربما لهذا السبب تبدو بعض نصوص الكتاب وكأنها تعبيرٌ عن حساسيةٍ إنسانيةٍ قلقةٍ تحاول البحث عن معنى للحياة وسط عالمٍ متغير. إن هذا التوتر بين الحيوية الثقافية والاضطراب السياسي ينعكس في النصوص على شكل أسئلة مفتوحة، ونبرة تأملية لا تستقر على يقين نهائي.

ومع ذلك، فإن القلق ليس النبرة الوحيدة في هذا الكتاب. ففي عمق النصوص يظهر نوعٌ من الإيمان الهادئ بقيمة الكتابة نفسها. فالأدب هنا ليس مجرد تسجيلٍ للمشاعر، بل محاولةٌ لمقاومة النسيان. إن الكاتبة لا تحاول أن توقف الزمن فعليًا، لكنها تحاول أن تمنحه شكلًا آخر داخل اللغة، بحيث تصبح اللحظة العابرة جزءًا من ذاكرة قابلة للبقاء. وهذا يضع الكتاب ضمن تصور فلسفي يرى في الكتابة فعلًا إنسانيًا مضادًا للفناء، لا من حيث إيقاف الزمن، بل من حيث إعادة تشكيله رمزيًا.

ومن الناحية الفنية، ينتمي هذا العمل إلى ذلك النوع من الكتابة الذي يقف بين الشعر والنثر، حيث تمتزج الحساسية الشعرية بالتأمل الفكري. وقد استطاعت غادة السمان أن تمنح هذا الشكل الأدبي طابعًا شخصيًا واضحًا يعكس تجربتها الخاصة في الكتابة والحياة. فالنصوص تبدو أحيانًا كأنها صفحاتٌ من مذكرات داخلية، لكنها في الوقت نفسه تحمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز التجربة الفردية. وهذا التوازن بين الذاتي والإنساني هو أحد عناصر القوة في الكتاب، إذ يسمح للنص بأن يكون معبرًا عن تجربة خاصة دون أن يفقد شموليته.

ولعل أحد أسرار جاذبية هذا الكتاب أنه يلامس تجربة القارئ نفسه. فاللحظات التي تحاول الكاتبة «اعتقالها» ليست لحظاتها وحدها، بل لحظات يعيشها كثير من البشر: لحظة اكتشاف الحب، لحظة الحنين إلى زمن مضى، أو لحظة التأمل في معنى الحياة. ولهذا يشعر القارئ أن النصوص تقترب من تجربته الشخصية، وأن الأدب هنا يصبح مساحة مشتركة بين الكاتب والقارئ، تتقاطع فيها التجارب الفردية ضمن إطار إنساني أوسع.

إن «اعتقال لحظة هاربة» يذكّرنا بأن الأدب لا يُقاس دائمًا بحجم العمل أو تعقيد بنائه، بل بقدرته على لمس جوهر التجربة الإنسانية. فهو لا يقدم سردًا ممتدًا بقدر ما يقدم مكثفًا دلاليًا يختزن في طياته رؤى وتأملات. وفي عالم سريع الإيقاع، حيث تتوالى الأحداث والذكريات بلا توقف، يأتي الأدب ليقول إن بعض اللحظات تستحق أن تُكتب كي لا تضيع، وأن القيمة ليست في كثرة ما يُروى، بل في عمق ما يُلتقط.

وهكذا يبقى هذا الكتاب شاهدًا على قدرة الكتابة على تحويل اللحظة العابرة إلى أثرٍ باقٍ في الذاكرة. فالزمن قد يمضي، لكن الكلمات، حين تُكتب بصدق وعمق، تستطيع أن تمنح تلك اللحظة حياة أطول مما يسمح به الواقع. وربما في هذه الفكرة تحديدًا يكمن سر جمال هذا العمل: أن الأدب، في النهاية، ليس مجرد تسجيل للحياة، بل إعادة خلق لها، ومحاولة إنسانية واعية للقبض على ما يفلت، ومنح المعنى لما كان عابرًا قبل أن يختفي.

مقالات الكاتب

فاروق خداج

 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني