على هامشِ وطنٍ لا يقرأ: أنا ومارون عبّود في سيرةِ المعلّمِ الجريحِ

قضيتُ هذا الأسبوع في صُحبة مارون عبّود، لا كقارئٍ عابر، بل كمن يقترب من نصٍّ ليرى إن كان اسمُه مكتوباً فيه. لم تكن قراءتي له تكلّفاً ثقافياً، بل تعويضاً داخلياً عن واقعٍ يضيق، وعن وطنٍ كلّما ازددتُ فهماً له ازددتُ فيه حيرة. ومع ذلك، شعرتُ منذ الصفحات الأولى أنّ بيني وبينه نسباً خفيّاً—كأنني أُكمل جملةً بدأها هو ولم يُتح لها أن تنتهي.

كان يعلّم في الجامعة الوطنية، يقرأ ويكتب، ويقيس عمره بما يزرعه في عقول طلابه. وها أنا أسير في الدرب نفسه: أعلّم، أقرأ، أكتب، ثم أعود فأحسب ما تبقّى من هذا الشهر. كأنّ المهنة قدرٌ مُلحّ، نُستدعى إليه أكثر مما نختاره. وكلانا يدفع ثمنها من أعمارنا، من أعصابنا، من خيباتٍ صامتة تتراكم حتى تصير حياة.

توقّفتُ طويلاً عند قوله: «لو أنّ الدولة عوّضت عليّ مبلغاً صغيراً عن كل ولدٍ علّمته، لكنتُ أغنى الأغنياء». ليست عبارة عابرة، بل سؤالٌ معلّق على زمنٍ كامل. مارون عبّود طرحه بصمت، ولم يُجب أحد. وأنا اليوم، بعد عقود، لا أملك جواباً مختلفاً. بل أضيف: لو غادرتُ لبنان منذ زمن، وعلّمتُ ربع قرن في الإمارات، لكنتُ واحداً من أولئك الذين تتراكم مشاريعهم كما تتراكم الحياة خارج هذا المكان.

لكنني بقيت. في وطنٍ لا يُكافأ فيه العطاء إلا بالصبر، ولا يُقاس فيه الإخلاص إلا بقدر ما يحتمله صاحبه من إهمال. أقمتُ على أرضٍ يتحوّل فيها المعلّم إلى شاهدٍ على انكسار معنى أن تكون إنساناً يُعلّم، لا صانعاً له.

أتذكّر تلميذاً في الصف الأخير سألني مرّة: «أستاذ، ماذا سنفعل بكل هذا؟»
لم يكن يسأل عن الدرس، بل عن الحياة.
يومها فهمتُ أنني لا أشرح مادّة، بل أقف أمام سؤالٍ أكبر مني بكثير.

لا شيء في هذا البلد يفسّر غياب البديهي: أنّ المعلّم أساسٌ لا وظيفة، وأنّ التعب الذي نحمله من الصفوف ليس مجرّد إرهاق، بل علامة خللٍ أعمق. لا نبتسم إلا حين يشرق الفهم في عيون تلاميذنا، وهذه البسمة وحدها كافية لتعريف المأساة.

ثمّة لحظات صغيرة تُنقذنا: فكرة تُفهم، سؤال يُولد، أثر يبقى في ذاكرة طفل. تلك التفاصيل وحدها تمنحنا سبباً لنستمر، حتى حين يبدو الاستمرار شكلاً من المقاومة الهشّة.

حملتُ كتاب «من كل وادٍ عصا» وتأمّلته كوجه صديقٍ قديم—وجه يشبه المرآة أكثر مما يشبه الذاكرة. لم أقرأه، بل حاورته. كيف استطاع أن يكتب بهذا الصفاء المُوجع؟ وكيف بقي هذا الوجع حيّاً، ينتقل من جيلٍ إلى جيل دون أن يبهت؟

نظرتُ إلى العالم: في اليابان يُرفع المعلّم إلى مرتبة تُشبه السيادة، وفي فنلندا يُعامل كأحد أعمدة الدولة، وفي الإمارات مثلاً صار المعلّم جزءاً من مشروع احترام يبدأ من الراتب لا من الخطاب. أمّا هنا، فيُقاس بمدى قدرته على الصمود أمام قلق آخر الشهر. هناك يعيش من مهنته، وهنا ينجو منها بمهنة أخرى.

أيّ مفارقة هذه التي تجعل صاحب الرسالة مُثقلاً إلى هذا الحد؟ وأيّ بلدٍ هذا الذي يطلب من معلّميه أن يكونوا عظماء داخل الصف، ثم يتركهم خارجه بلا ظل؟

أكتب لأنّ ما تبقّى مني لا يعرف إلا هذا الطريق: يد تمسك قلماً، وقلب يرفض أن يُدفن حيّاً. كتب مارون عبّود وترك جرحاً نبيلاً، وأنا أكتب لأقول: الجرح ما يزال مفتوحاً، لكنه لم يعد يصرخ، بل يتنفّس بصمت.

قد لا نملك ما يملكه غيرنا، لكننا نملك يقيناً غامضاً بأنّ لما نفعله معنى. نعلّم لأننا نؤمن، نكتب لأننا لا نعرف الصمت، نبقى لأننا لا نعرف كيف نخون ذواتنا.

ومع ذلك، لا ينتهي السؤال، بل يزداد كثافة كلما تقدّمنا:
إلى متى؟
إلى متى يُترك المعلّم وحيداً في مواجهة معنى رسالته؟
وإلى متى يُؤجَّل الخبز باسم الواجب، وتُختصر الحياة في انتظار ما لا يأتي؟

لا جواب عندي، ولا جواب عنده.
لكن الحكاية لم تُغلق بعد.

وهذا القلم، ما دام في اليد، لن يكون شاهداً على ما انتهى، بل على ما لم يُولد بعد.

وحين يقولون إنّ المعلّم انتهى، أتذكّر مارون عبّود يُعلّم من الغياب، فأبتسم. لا لأنني سعيد، بل لأنّ الموت نفسه لم يجرؤ على تقاعده.
لم يبدأ بعد.

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

مقالات الكاتب

فاروق خداج

 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني