لطالما شكّل السلاح، عبر التاريخ، مصدر قوّة لحامليه، وأُشير إلى صاحبه بعبارات من قبيل «السلاح زينة الرجال». ومع ولادة طفلٍ ذكر، غالبًا ما تُسمَع العبارة الشعبية «زدنا بارودة». وقد ساد هذا المعتقد في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، نظرًا للحروب العديدة التي خاضها أبناء البلد، ونقصد هنا الفترة الممتدّة من أوائل القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا. ويشهد التاريخ على تسلسل معارك وحروب دامية بين أبناء البلد الواحد، على وجه الخصوص.
وهنا نستذكر أبرز الأحداث الدامية، ولا نقصد إثارة الأحقاد أو إعادة تكوين ذاكرة دموية، بقدر ما هو سردٌ تاريخي مع التركيز على مبدأ سحب السلاح الذي كان يعود إلى الواجهة بعد كل معركة وحرب داخلية.
تمثّلت أولى المواجهات في القرن التاسع عشر مع «العاميات» سنة 1820، حين أخضع الأمير بشير الثاني كل محاولات الانتفاضات في الإمارة، فأخضع عامية أنطلياس سنة 1820، وعامية لحفد سنة 1821. والمقصود بالعامية هو تجمّع عامة الشعب حول قضية معينة. وحينها وقف أهل الجبل بمختلف مذاهبهم بوجه السياسة الضريبية الظالمة بحقهم، فقام الأمير بعدها بسحب الأداة القتالية من أيدي المشاركين في العامية.
ومع قدوم إبراهيم باشا، القائد المصري، إلى لبنان سنة 1831، صدر قرار يقضي بسحب ما تبقى من السلاح من أيدي أبناء الجبل من نصارى ودروز. ومما جاء في الرسالة: «إن الأوامر صدرت بجمع جميع السلاح الموجود عند النصارى والدروز، والأمر صادر بالتشديد بسرعة إنجاز هذه المأمورية، وإن الذي يتجاسر على الأمر يكون تحت سيف الانتقام. ولزم أن تحرروا لأعزّائنا جميع المطارنة أنهم ينبهوا ويشددوا على الرعية أن حالًا يسرعوا بتقديم السلاح من دون عائق ولا تأخير، لأن لهم بذلك الراحة والسلام…» (من أرشيف بكركي، رسالة من الأمير بشير الثاني إلى البطريرك يوسف حبيش، تشرين الثاني 1832، الملف 6، وثيقة رقم 2272).
وعليه، قدّم نصارى الجبل سلاحهم كي لا يظهروا أنفسهم كعصاة على الحكم، في حين أظهر الدروز بدايةً العصيان ورفضوا تقديم أسلحتهم، لكن سرعان ما خضعوا للأوامر بعد التشديد عليهم. فسلّم أبناء الجبل سلاحهم، وبدأت المناطق تباعًا تنفيذ الأوامر، فسلّم أهل الشوف والأقاليم والعرقوب والشحّار والمتن وكسروان وسواها من المناطق السلاح.
وعلى سبيل المثال، بلغ عدد السلاح في كسروان ألف بندقية. وكمحصلة، جمعت الإدارة المصرية 5113 بندقية من أيدي الدروز و9647 بندقية من النصارى. (أرشيف بكركي، ملفات البطريرك يوسف حبيش، الملف 11، وثيقة رقم 4032، تشرين الأول 1835).
وهكذا امتثل أبناء الجبل من مسيحيين ودروز وشيعة لأوامر الحكم.
وما هي إلا سنوات معدودة حتى قامت بوجه الحكم المصري وحليفه الأمير بشير حركات تمرّد وعصيان في مناطق عدة، أبرزها في حوران سنة 1834، وتكررت سنة 1838. ولتأليب الأهلين، أعاد القائد المصري تسليح قسم من أبناء الجبل، أعني بهم النصارى. (أرشيف بكركي، وثيقة رقم 4879 من الملف رقم 13، تاريخ 1837).
وبعد إخماد شرارة العصيان، قدّم دروز حوران وحاصبيا وراشيا وإقليم البلّان سلاحهم، البالغ عدده 2700 بندقية، ألفان منها كانوا قد استولوا عليها من الجيش المصري خلال المواجهات، و700 كانت في الأساس بحوزتهم. ونالوا في المقابل تعهّدًا من الحكومة بإعفائهم من التجنيد وأعمال السخرة وتخفيض الضرائب. ومكافأةً للأمير بشير وأتباعه، قدّم له إبراهيم باشا آلاف البنادق، ووعد أبناء الجبل بتخفيف الضرائب وإعفائهم من أعمال السخرة نظرًا لمساعدته في إخماد حركات التمرّد التي تزعمها آنذاك شبلي العريان.
وما هي إلا سنوات معدودة حتى عاد القائد المصري وأمر بسحب السلاح من أيدي مناصريه أيضًا. ففي 6 أيار 1840 أمر بجمع 16 ألف بندقية من أيدي الموارنة كان قد منحهم إياها خلال أحداث العام 1838. وعلى الرغم من المعارضة الداخلية لتسليم السلاح، امتثل الموارنة للأوامر.
وفي هذا الوقت، قام قناصل الدول الأوروبية باستمالة أبناء الجبل، مقدمين لهم شتى أنواع الخدمات من سلاح ومال، وذلك بغية حصولهم على مواقع نفوذ في المنطقة تمهيدًا للإطاحة بحكم الأمير بشير والقائد المصري. وبعدما تهيأت الظروف، هبّ المسيحيون والدروز لمحاربة جيش إبراهيم باشا وحليفه الأمير بشير، مستفيدين من دعم خارجي لهم وتقديم العتاد والسلاح والأموال. وكانوا قد وقّعوا اتفاقية عُرفت بعامية أنطلياس في حزيران 1840، أقسموا فيها على الاتحاد من أجل التخلص من معاناتهم جراء سياسة حكومتهم. وبرزت أسماء قادتهم: أبو سمرا غانم، يوسف الشنتيري، أحمد داغر…
حاول الأمير بشير، بعد توسّع المعارك، التوسّط بينهم، فقدموا له عريضة تضمنت جملة مطالب، كان من أبرزها الإبقاء على سلاحهم ورفع أعمال السخرة وتخفيف الضرائب. لكن محاولته باءت بالفشل، فاستمرت المعارك، غير أن مصيرها جاء لمصلحة الحكومة، فاستسلم الثوار وقدّموا سلاحهم للجيش المصري ولجيش الأمير بشير.
وكان الرابح الأكبر من المعارك القوى الخارجية التي دعمتهم بدايةً ومدّتهم بالسلاح، فها هي، والحالة هذه، تربح عبر إحكام سيطرتها على سياسة الجبل وإضعاف الحكم وبداية تأليب الأهلين ضد بعضهم البعض. فقدّمت بريطانيا، بعد إخماد الثورة، المال والسلاح (5 آلاف بندقية) مجددًا للدروز، وعادت تحرّضهم على الأمير بشير. وفي المقلب الآخر طلب الأمير بشير نصرة المسيحيين له ولحليفه القائد المصري.
وفي الوقت عينه، كانت المراكب العثمانية والبريطانية والنمساوية ترسو على الشواطئ اللبنانية منتظرة ساعة الصفر لإطلاق النيران على جيش القائد المصري وحليفه الأمير بشير، بغية الإمساك بزمام الأمور. ففي أيلول 1840 بدأ الإنزال البحري بالتزامن مع حشد القوى البرية من الأهلين من مختلف المذاهب، واستطاعوا هذه المرة إنهاء حكم الأمير بشير وإبراهيم باشا. ولم تستطع فرنسا، حليفة الحكم المصري والأمير بشير، تقديم أي دعم يُذكر.
وهكذا استعادت السلطنة الإمساك بزمام الأمور في الجبل، وهذه المرة تركت السلاح بيد الأهالي من النصارى والدروز، وكأنها على علم مسبق بإشعال الفتنة بين الطرفين. فما إن أطل العام 1841 حتى بدأت المشاكل الداخلية:
- خطاب مذهبي تحريضي من الطرفين.
- تسلّم الأمير بشير الثالث الحكم، وعُرف بضعف شخصيته وسوء معاملته لزعماء الدروز.
- فرض ضرائب جديدة باهظة.
- عدم الاتفاق على تشكيل ديوان حكم من ممثلين عن أبناء الجبل نظرًا لتشابك المصالح والتنافس بين الأطراف.
- تغيّر الواقع الديمغرافي الداخلي، فبعدما شكّل الدروز أكثرية عددية في الجبل في القرن الثامن عشر، باتوا مع أواسط القرن التاسع عشر أقل عددًا على حساب الزيادة الديمغرافية المسيحية، ما ولّد أزمة سياسية تجلت في فتن أهلية.
- تغذية الاحتقان الداخلي عبر تدخّل القناصل الأوروبيين، فعمدت بريطانيا لدعم الدروز بوجه فرنسا الداعم الأكبر للموارنة، فيما دعمت النمسا الروم الكاثوليك، وروسيا الأرثوذكس.
إزاء هذه المعطيات، اندلعت الفتنة الأهلية سنة 1841 بين أبناء البلد الواحد (الموارنة والدروز)، وكان المنتصر الأكبر بعدها الدولة العثمانية. فبعد إنهاك المتقاتلين، أمسكت السلطنة بالحكم وأصدرت أوامرها، وكان من بينها: «طلب سلاح الدروز أولًا والنصارى ثانيًا، وإن أبت الدروز والنصارى فبالجبر يؤخذ سلاحهم…» (أرشيف بكركي، ملف 17، وثيقة رقم 6378، تاريخ 1841).
وعمدت إلى تعيين حاكم عثماني هو عمر باشا كمرحلة أولية، قبل موافقتها على نظام القائمقاميتين، وهو برأيي نموذج سيئ يشبه ما يُطرح اليوم بالفدرالية، لأنه قسّم جبل لبنان على أساس مذهبي (قائمقام مسيحي وآخر درزي)، وأبقى المناطق المختلطة في القائمقاميتين فتيل نار، لتعود شرارة المعارك من جديد سنة 1845.
والجدير بالذكر أن قسمًا من السلاح الداخلي لم يُسلّم بعد أحداث 1841، نتيجة التدخلات الخارجية ومساعي بعض أفرقاء الداخل لتغذية الاقتتال عبر تقديم السلاح والعتاد والأموال اللازمة. فاحتدمت الأمور من جديد بين الموارنة والدروز كطرفين أساسيين في الصراع، وانتهت المعارك من دون تحقيق أي نصر لأي فريق على الآخر، وخلّفت المعارك مئات القتلى والدمار.
وبات الجبل تحت قبضة العثمانيين بشكل غير مباشر، عن طريق تعيين قائمقامين وتغذية الصراعات الداخلية تحت شعار «فرّق تسد». وما إن أقبلت سنة 1860 حتى تجدد الاقتتال الداخلي بين أبناء الجبل، لتعود السلطنة من جديد وتلغي نظام القائمقاميتين وتؤسس نظامًا جديدًا بمساعٍ أوروبية، هو نظام المتصرفية، ومن خلاله حُكم الجبل بين 1861 و1918 عن طريق متصرف عثماني.
ومع الانتداب الفرنسي، صدرت الأوامر بنزع السلاح، وها هي وثيقة موقّعة من البطريرك إلياس الحويك بتاريخ أول أيلول 1923 إلى السلطة الفرنسية في لبنان بهذا الخصوص (أرشيف بكركي، من ملفات البطريرك إلياس الحويك، وثيقة رقم 11، 1 أيلول 1923).
وفي تاريخنا المعاصر، أمثلة كثيرة عن مساوئ التسلّح خارج نطاق الشرعية، فالحرب الأهلية خير نموذج، والتسابق الخارجي على استمالة أفرقاء الداخل بحجة الحماية لم يكن يومًا سوى عباءة لسيطرة خارجية ونفوذ يعلو على سيادة الدولة الجامعة.
لعلّنا نتّعظ من أخطاء الماضي المتكررة، ونترك صوت السلم الأهلي والعيش المشترك، وصوت الشرعية وسلاحها الوحيد بيد القوى الأمنية، يعلو وحده فوق كل أصوات التفرقة والعصبيات المذهبية.

د. روني خليل
أستاذ تاريخ وعلاقات دولية في الجامعة اللبنانية.
- د. روني خليل#molongui-disabled-link
- د. روني خليل#molongui-disabled-link
- د. روني خليل#molongui-disabled-link
- د. روني خليل#molongui-disabled-link
