أول انطباع خرجنا به لدى مطالعة مقال “الحرب على إيران” للزميل د. مالك أبو حمدان، هو أنه نسي شيئاً ما. ماذا نسي؟
نسي أن يكون أول سؤال يطرحه، قبل الأسئلة الأربعة الأخرى، هو سؤال وطنه لبنان: أيُّ مصيرٍ ينتظر هذا الوطن؟ وإلى أين؟ وكيف نحرّره (مجدداً) من الاستعمار الإسرائيلي؟ وكيف نصون تراثه، ونحمي كل ذرة تراب في جنوبه، ونرعى ثلث سكانه النازحين والمشردين، في إطار خطة طوارئ وطنية شاملة، ونعيد بناء اقتصاده وبناه التحتية، ومنازله ومساجده وكنائسه وأديرته وصوامعه التاريخية؟
المقال طرح أربعة أسئلة، لكنها في الواقع تتكثف في سؤال واحد: كيف ولماذا لا يقف المثقفون اللبنانيون والعرب بقوة ووضوح إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية (وفق تعبيره)؟ هل لأن إيران شيعية (وفق تعبيره أيضاً)؟
يحق للزميل طرح هذا السؤال، خاصةً وأنه تحدث مراراً سابقاً عن “الهوية الشيعية” التي تربط الشيعة اللبنانيين بإيران (وليس فقط بالجمهورية الإسلامية)، منذ القرن السادس عشر، وأيضاً منذ القرن العشرين، حين نزل الإمام موسى الصدر في صور عام 1959 ليطرح مشروعه الوطني-الشيعي في عهد شاه إيران.
نحن أيضاً ندعم، بالمطلق، إيران في حربها ضد العدوان الغربي عليها. وكاتب هذه السطور أبلغ الأميركيين في مؤتمر لمركز الأبحاث Century Foundation في واشنطن قبل سنوات، أنه لا يحق لكم التساؤل عن دور إيران في الشرق الأوسط، لأنه لا شرق أوسط تاريخياً وحضارياً من دون إيران.
نحن أيضاً نؤيد إقامة أوثق العلاقات بين اللبنانيين الشيعة وبين إيران (مهما كان نظامها)، طالما أن هذه العلاقات تخدم لبنان وإيران على قدم المساواة، ولا تمس كينونة ووحدة الشعب اللبناني. لكننا، في الوقت نفسه، لا نعتبر أن إيران، أو أي دولة إقليمية أخرى كتركيا والسعودية، أو دولية كفرنسا، لها الأولوية على الأولوية القصوى للوطن اللبناني: كسؤال، وهمّ، وهوية، والتزام.
سؤال لبنان هو نفسه سؤال الهوية الوطنية، والهواء الذي نتنفس، وزينون الرواقي معلّم فلاسفة الإغريق، والتراث الألفي الحضاري والفكري والثقافي المبثوث، هو والقيم المشرقية المتوسطية، في كل أرجاء العالم.
سؤال لبنان هو كل جذورنا ووعينا الجماعي، تلك الجذور التي أبدعت سيمون فيل في إلقاء الأضواء على خطورتها في تاريخ الشعوب والحضارات، إلى درجة أن شارل ديغول انطلق منها لإعادة بناء فرنسا بعيد الحرب العالمية الثانية.
هل هذا الحب الجارف للوطن دعوة انعزالية متجددة؟ كلا. إطلاقاً.
فنحن نريد أن نساند كل القضايا القومية والإنسانية في إقليمنا الحضاري، ولكن في إطار إمكانياتنا الوطنية المتواضعة وتراكيبنا الاجتماعية التعددية: نساند بالفكر والثقافة والمبادرات الحضارية، ويكون ذلك حتماً أكثر فاعليةً وأضخم بما لا يقاس من بضع صواريخ تُطلق لدعم إيران، أو بضع كاتيوشا لمساندة قضيتنا الفلسطينية، التي (للأسف) أدت إلى حرب أهلية مدمرة لا تزال مضاعفاتها تتداعى حتى الآن.
نحن، ومن موقع انتمائنا (الدستوري والهوياتي) للوطن العربي ولإقليمنا المشرقي المتوسطي الحضاري الكبير (الذي يضم إلى الوطن العربي الهضبة الإيرانية-التركية-الكردية)، نواصل التزامنا بقضايا إقليمنا كافة، من فلسطين إلى إيران وتركيا، ومن الرياض والقاهرة والدار البيضاء. لكننا نريد أن نفعل ذلك ونحن متجذرون في أرضنا وإرثنا وثقافتنا وجذورنا.
أجل، أجل. نعلم أن الفساد والسرقات والنهب والعصبيات وانهيار القيم الأخلاقية كما الدينية تنهش في لحم دولتنا نهشاً، على يد طبقة سياسية دينها الوحيد التجارة المحرمة، وديدنها الوحيد طعن هذا الوطن في ظهره عبر التبعية والارتزاق للخارج.
نعلم أيضاً أن القوى الخارجية كانت ولا تزال تتناوب على التلاعب بالطوائف والمذاهب طيلة تاريخ لبنان الحديث (ما عدا مصر الناصرية)، بلا شفقة ولا رحمة ولا ضمير. بل أكثر من ذلك؛ نعلم أن العواصف الإقليمية والدولية العاتية راهناً قد تدفع بوطننا إلى أشداق التقاسم والتناتش، وحتى إلى الانمحاء من الخريطة السياسية. نعلم كل ذلك. لكننا نعلم أيضاً أنه مهما حدث، ثمة شيء كان ولا يزال وسيظل عصياً على الموت والاندثار. شيء اسمه لبنان الحلم. ونحن لن نتوقف عن الحلم به… إناء الليل وأطراف النهار.

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
