ثمة سؤال ضخم يبرز ثم يختفي في خضم غرق البشرية في البحث حول فرص ومخاطر ثورة الذكاء الاصطناعي (AI): هل سيتمكن هذا الذكاء من فهم الحقيقة الموضوعية للوجود، أو “الشيء في ذاته” كما وصفه الفيلسوف إيمانويل كانط؛ تلك الحقيقة المراوغة التي بدت للبشر، طوال تاريخ الحضارة الممتد لخمسة آلاف سنة، ولا تزال، لغزًا داخل لغز، وأحجية داخل أحجية؟
السؤال مبرر لأسباب عدة تتعلق كلها بتطور التكنولوجيا. فالمجهر (Microscope)، على سبيل المثال، مكّننا من رؤية عوالم دقيقة وخفية لم تكن تخطر على بال. والمِرقب (Telescope) عرّفنا إلى مجرات ونجوم وكواكب لا حصر لها، وجعلنا نكتشف أن الكون الذي نراه ونعدّه حقيقة موضوعية، لا يشكل في الواقع سوى 4 في المئة من هذه الحقيقة، فيما تنتمي الـ96 في المئة المتبقية إلى عالم مجهول لا نعرف عنه شيئًا (سوى تأثيراته)، ويتكوّن مما يسمى المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
إضافة إلى ذلك، أثبت الذكاء الاصطناعي مؤخرًا أنه قادر، بصورة مدهشة، على التعلم الذاتي والتطور، وكذلك على مفاجأتنا باكتشافاته في كل حين. ففي أواخر عام 2017، أنجز الذكاء الاصطناعي ثورة هادئة عندما تمكن حاسوب AlphaZero، الذي طوره برنامج DeepMind التابع لشركة غوغل، من التعلم الذاتي عبر الشبكة خلال أربع ساعات فقط، ثم إلحاق الهزيمة بأبطال العالم في الشطرنج. وقد عنى ذلك بوضوح أن AlphaZero امتلك منطقًا خاصًا به، نبع من قدرته على التعرف إلى الأنماط (Patterns) عبر كم هائل من الاحتمالات التي لا يستطيع العقل البشري استيعابها أو توظيفها.
كذلك، هناك طبيعة التطورات التكنولوجية الجديدة في قدرات الذكاء الاصطناعي. وأول ما يتبادر إلى الذهن هنا هو الحاسوب الكمومي، الذي يقول العلماء اليوم إنه سيكون الاختراق العلمي الأكبر، “الذي سيجعل المستحيل ممكنًا”، على حد تعبيرهم. فغوغل، التي اقتربت من إنتاجه، تقول الآن إن حاسوبها الكمومي سيكون أسرع وأقوى بنحو مئة مليون مرة من أي حاسوب موجود حاليًا.
الحاسوب الكمومي أشبه بقصص الخيال العلمي، إذ يتضمن تكنولوجيا قد تتحدى المنطق البشري، كما تفعل فيزياء الكم، حيث إن الذرات لا تتبع القوانين التقليدية للفيزياء. فالجسيمات على المستوى الكمومي يمكن أن تتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف في الزمن، وأن توجد في مكانين في الوقت نفسه، وحتى أن تتواصل عن بعد عبر الانتقال الآني (Teleportation). واستخدام الحاسوب الكمومي لهذه الخصائص يمكّنه من حل مشكلات تبدو اليوم مستحيلة، أو تحتاج الحواسيب الكلاسيكية إلى ملايين السنين لحلها.
وينتج البشر يوميًا نحو 2.5 مليار إكزابايت (Exabytes) من البيانات، أي ما يعادل محتوى خمسة ملايين حاسوب محمول، بينما يستطيع الحاسوب الكمومي معالجة هذه البيانات بسهولة، وبسرعة تفوق الحواسيب التقليدية بآلاف المرات.
وهناك أيضًا مشروع حاسوب الحمض النووي (DNA Computer) الذي يستند إلى استخدام الجزيئات البيولوجية بدلًا من رقائق السيليكون، التي ستصل قريبًا إلى حدودها القصوى من حيث السرعة وقابلية التصغير. وقد اكتشف الخبراء أن الكائنات الحية تتضمن ملايين الحواسيب الطبيعية الفائقة الموجودة في جزيئات الحمض النووي (DNA) التي تتكون منها الجينات.
ولا يزال حاسوب الحمض النووي في مراحله الأولى، لكن عند اكتماله سيكون قادرًا على تخزين معلومات تفوق ما تخزنه الحواسيب الحالية بمليارات المرات؛ إذ إن نصف كيلوغرام من الحمض النووي (DNA) قادر على تخزين معلومات تفوق مجموع ما تختزنه جميع الحواسيب الموجودة حاليًا على كوكب الأرض.
قصتنا مع “الحقيقة”
نحن، إذًا، أمام تطورات تكنولوجية هائلة دفعت حتى الفيلسوف الأول للسياسة الواقعية وتوازنات القوى، هنري كيسنجر، إلى وضع كتابه “عصر الذكاء الاصطناعي” (The Age of AI) وهو على أعتاب عامه المئة، خصص معظم صفحاته لبحث قدرة الذكاء الاصطناعي على إدراك الحقيقة الموضوعية.
والآن، وقبل الولوج إلى هذا الموضوع، لا بد من وقفة سريعة أمام قصة الجنس البشري مع الحقيقة، وهو الذي يعاني، منذ أن وُلد الوعي لديه قبل بضعة آلاف من السنين، مشكلة حقيقية في إدراكها. صحيح أنه يختبرها كل يوم، لكنه يجهد عبثًا، حتى الآن على الأقل، في تعريفها، فضلًا عن فهمها. فهي تبدو بالنسبة إليه صلبة، لكن ما إن يدقق فيها عن كثب حتى تتبدد كغيمة صيف عابرة.
فنحن لا نعرف متى بدأت، ولا من أين أتت، ولا إلى أين تتجه، كما أننا، حتمًا، لا نعرف لماذا هي موجودة أصلًا. وهذه مسألة أخرى تندرج تحت السؤال الأكبر: لماذا يوجد الوجود؟
لدينا حاليًا، كما هو معروف، نظريتان أساسيتان لمقاربة الحقيقة: الأولى هي نظرية فيزياء الكم، التي تقول إن الحقيقة تعتمد برمتها على التجربة الذاتية، والثانية هي نظرية النسبية، التي ترى أن الحقيقة مستقلة كليًا عن الذاتية. ومع أن هاتين النظريتين أثبتتا صحتهما، فإنهما متناقضتان تناقض الماء والنار، الأمر الذي يعمق الغموض لدى البشر، ويجعل الحقيقة بالنسبة إليهم أبعد ما تكون عن الحقيقة.
فإذا كانت الأولى، أي النظرية الكمومية، أشبه بلعبة نرد عشوائية، فإن الثانية أقرب إلى قوانين الشطرنج الصارمة. والحقيقة، بالتالي، تبدو مفهومًا مبهمًا ومجردًا، وكأنك تقول شيئًا لا معنى له، مثل: “كل شيء هناك هو هناك”. وفي قلب هذا “الكل” تكمن المكان والزمان والطاقة وقوى الطبيعة الأربع والوعي، وحتى الأفكار المجردة. فمن أين يمكن أن نبدأ؟
في أواسط القرن العشرين، ظن العلماء أنهم عثروا على أساسيات هذه اللعبة الكونية: الجسيمات والحقول الكمومية. وقد بدا أن هذه النظرية توفر، على الأقل، تعريفًا فلسفيًا للحقيقة، وهو: ما الذي يوجد؟ وماذا يفعل؟
لكن هذا النموذج المعياري (Standard Model) لم يقدم لنا أبدًا إجابة كاملة، لأنه يتجاوز قضايا يعتبرها الفيزيائيون أساسية، بما في ذلك المادة المظلمة والطاقة المظلمة والجاذبية. وهذا يعني أننا لن نفهم الحالات التي تكون فيها نظريتا الجاذبية والكمومية فاعلتين في الوقت نفسه، كما يحدث في الثقوب السوداء والانفجار العظيم، أو في الجسيمات الدقيقة الواقعة داخل حقول الجاذبية.
كان ذلك مأزقًا عويصًا بالفعل. لكن لماذا وصل البشر إلى هذا الطريق الذي يبدو مسدودًا؟
في الفترة الممتدة من سقوط روما في القرن الخامس إلى سقوط القسطنطينية في القرن الخامس عشر، كان البشر في الغرب يسعون إلى معرفة الله أولًا، ثم العالم ثانيًا. وكان الاعتقاد السائد أن العالم لا يمكن معرفته إلا من خلال الله. لذلك، تولت المؤسسات الدينية والكنسية تنظيم فهم الأفراد للحقيقة والظواهر الطبيعية وفق هذا التصور.
وحين حاول مفكرون وعلماء، مثل غاليليو، استكشاف العالم مباشرة، وتغيير التفسيرات في ضوء الملاحظة العلمية، تعرضوا للملاحقة والاضطهاد. فقد كانت كل ظاهرة، صغيرة كانت أم كبيرة، تُنسب إلى إرادة الله أو فعله.
وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، شهد العالم الغربي ثورتين تكنولوجيتين دشنتا حقبة جديدة، ومنحتا العقل البشري دورًا جديدًا في معرفة الحقيقة: اختراع المطبعة على يد غوتنبرغ، التي سمحت بنشر الأفكار بلغات يفهمها الناس خارج إطار اللغة اللاتينية، فقوضت اعتماد الناس التاريخي على الكنيسة في تفسير المفاهيم والمعتقدات.
وبمساعدة التكنولوجيا، أعلن قادة الإصلاح البروتستانتي أن الأفراد قادرون، بل مسؤولون، عن فهم الألوهية بأنفسهم. ثم تعزز هذا التوجه مع نظرية كوبرنيكوس عن مركزية الشمس، وقوانين نيوتن في الحركة، واكتشافات أنطوني فان ليفينهوك (Antonie van Leeuwenhoek) للعالم المجهري، الأمر الذي رسخ الاعتقاد بوجود طبقات جديدة من الحقيقة لم يكن الإنسان يعرفها من قبل.
بعد ذلك، اندلعت “حرب” فكرية بين معسكرين فلسفيين في مقاربة الحقيقة: الماديين والمثاليين.
فالماديون، أمثال ديفيد هيوم، وإسحاق نيوتن، وجون لوك، طرحوا فلسفة طبيعية مادية ترفض فكرة أن العقول البشرية نسخ مصغرة من “العقل الإلهي”، وقالوا إن أفضل ما يستطيع البشر القيام به للاقتراب من الحقيقة هو تطبيق المبادئ التجريبية والحسية.
أما المثاليون، بقيادة الأسقف جورج بيركلي (Bishop Berkeley)، فقد ردوا بأن الحقيقة لا تتكون من عناصر مادية، بل من الله والعقول، وأن العالم المادي لا وجود له.
أما الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، الذي يعده كثيرون “مسيح الفلاسفة”، فقد سعى إلى تطبيق المنطق الهندسي الإقليدي على المفاهيم الفلسفية والأخلاقية لإثبات وجود نظام كوني من دون الحاجة إلى معجزات خارقة، وبالاعتماد على العقل وحده.
كل هذه الاجتهادات الفلسفية المتضاربة لم تفعل سوى مفاقمة الفوضى والصراعات الفكرية حول العقل والإيمان والحقيقة.
وهنا دخل الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي رفض المدرستين المادية والمثالية معًا، وسعى بدلًا من ذلك إلى ردم الهوة بينهما، فاقترح أن يتولى العقل أصعب المهام، وهي معرفة ذاته، وتحديدًا معرفة حدود قدرته على إدراك الحقيقة.
فالحقيقة الموضوعية، بمعناها الدقيق، أو ما سماه كانط “الشيء في ذاته”، موجودة دائمًا، لكنها تقع خارج نطاق معرفتنا المباشرة. ولأن العقل البشري يعتمد على التفكير المفاهيمي، بل والأسطوري أحيانًا، وعلى الخبرة المعاشة، فإنه لن يستطيع أبدًا بلوغ درجة الفكر الخالص اللازمة لمعرفة الجوهر الداخلي للأشياء.
وفي الوقت نفسه، بدأت الفيزياء النظرية تتقدم نحو “الشيء في ذاته” الكانطي، من خلال كشف طبقات غير متوقعة من الحقيقة، كما فعل ألبرت أينشتاين في أعماله حول النسبية وفيزياء الكم.
غير أن ذلك كشف مزيدًا من الغموض، بعدما تبين أن الجسيمات الأولية لا تخضع لقوانين الفيزياء الكلاسيكية. وهذا ما دفع نيلز بور (Niels Bohr) وفيرنر هايزنبرغ (Werner Heisenberg) إلى تحدي الافتراضات العلمية القديمة، وطرح مبدأ “اللايقين”، الذي أكد أن الصورة الدقيقة الكاملة للحقيقة لن تكون متاحة في أي وقت، بل إن الحقيقة المادية نفسها لا تمتلك شكلًا كامنًا مستقلًا، وإنما “تُخلق” من خلال عملية الملاحظة.
وهكذا، انقلب يقين عصر التنوير، وإيمانه بقدرة العقل على إدراك الحقيقة، إلى عالم من اللايقين والغموض والنسبية.
هذه لمحة موجزة عن قصة البشر مع الحقيقة، وهي في الواقع قصة مآزق متتالية.
فهل سيكون الذكاء الاصطناعي، كما تساءلنا في البداية، قادرًا على إلقاء حبل النجاة العلمي والفلسفي للإنسان في هذه المعضلة؟

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
