السياسة الأميركية الخارجية في عام

عندما أُعيد انتخاب ترامب رئيسًا العام الماضي، اعتقد كثير من الأميركيين، ولأسباب وجيهة، أنه سيسلك بالولايات المتحدة مسارًا انعزاليًا. غير أن إحدى أكبر مفاجآت السياسة الخارجية في عام 2025 قد تكون في كون ترامب، بعد مرور عام على ولايته الجديدة، لم يكتفِ بنبذ الانعزالية، بل هو أسّس نمطًا جديدًا من “الدولية الأميركية” بطابع “ترامبي” خاص.

في الواقع، يصعب التوفيق بين الانعزالية والدعوة إلى الاستحواذ على قناة بنما، وكندا، وغرينلاند. فهذا السلوك، إن دلّ على شيء، إنما يدلّ على انخراط دولي نشط. كما أن نيل جائزة نوبل للسلام لا يتحقق من موقع المتفرج. وعلى هذا الأساس، فقد نسب ترامب لنفسه الفضل، أو هو انخرط شخصيًا، في تسعة نزاعات دولية – من بينها غزة وأوكرانيا.

خلال الحملة الانتخابية، أوضح ترامب أنه كان قد تعرّض للإعاقة في ولايته الأولى من قِبَل مستشارين من المحافظين الجدد والعولميين، الذين حالوا دون التطبيق الكامل وغير المقيَّد لأجندته في السياسة الخارجية القائمة على شعار “أميركا أولًا”. وقد اعتبر أن أسلافه، ومن بينهم الرئيس السابق جو بايدن، كانوا مفرطي الانشغال بالصراعات وصناعة السلام في أوروبا والشرق الأوسط. كما دان ما أسماه “الحروب الأبدية”، ورفض مشاريع بناء الدول، واصفًا الحربَين في أفغانستان والعراق بأنهما شكّلتا خيارات خاطئة. وقد جعل ترامب الأمر واضحًا بصورة لافتة: ففي عهده، لن تعود الديمقراطية وحقوق الإنسان عاملَين موجّهَين للسياسة الخارجية الأميركية، وأن الولايات المتحدة ستترك الشؤون الداخلية والإقليمية للدول الأخرى لقيادات كل منها.

غير أنه، وبعد ما يقارب عامًا كاملًا من إدارة السياسة الخارجية وفق هذا النهج، بات من الواضح أن ترامب ليس انعزاليًا. بيد أن هذا لا يعني، في المقابل، أنه دولي ليبرالي على شاكلة أسلافه من الجمهوريين والديمقراطيين، الذين سعوا إلى تعزيز المؤسسات الدولية، والالتزام بنظام دولي قائم على القواعد، والتأكيد على أهمية التعاون الدولي لمعالجة المصالح الوطنية والتحديات العابرة للحدود. فالأمر، في الواقع، بعيد كل البعد عن ذلك. بل إن ترامب أعاد صياغة مفهوم الدولية، وألبسه ملامحه الخاصة، وفق تصوّره ومقاربته.

في هذه الولاية، يضع ترامب دبلوماسيته الشخصية في صدارة المشهد، مدفوعًا بشهية لا تبدو قابلة للإشباع للانخراط الدولي. غير أن ممارسته للسياسة الخارجية تبدو، في كثير من الأحيان، في حالة توتر مع انتقاداته اللاذعة لسياسات الإدارات السابقة. ففي وقت مبكر من ولايته، ذكر ترامب التالي: “من يُطلَق عليهم بناة الدول دمّروا في النهاية دولًا أكثر بكثير مما بنوا، وأن التدخليين كانوا يتدخلون في مجتمعات معقدة يعجزون عن فهمها هم أنفسهم”.

وبعد أن انتقد أسلافه بسبب إقحام الولايات المتحدة في نزاعات عسكرية خارجية، أطلق ترامب عرضًا غير مسبوق لما يُعرف بـ”دبلوماسية الزوارق الحربية” ضد فنزويلا. فقد أمر الجيش الأميركي باستهداف أكثر من عشرين زورقًا يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات، كما أقدم على أكبر استعراض للقوة في منطقة الكاريبي منذ عقود، عبر إرسال مجموعة حاملة الطائرات “جيرالد آر. فورد” إلى الجنوب، نحو البحر الكاريبي. (بالمحصلة، تشير التقديرات إلى أن نحو 15 في المئة من الأسطول البحري الأميركي قد نُشر في المنطقة، بدعم من آلاف الجنود).

إلى ذلك، تخوض الإدارة الأميركية مشروعًا بالغ التعقيد لبناء دولة: خطة متعددة المراحل، من عشرين خطوة، لإعادة بناء قطاع غزة. والحال أن هذه الخطة، التي لا تزال في مراحلها الأولى من التنفيذ، تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، وإعادة الأسرى الأحياء ورفات المحتجزين، والإفراج عن السجناء، وزيادة منسوب المساعدات الإنسانية. إذ هي تدعو كذلك إلى إنشاء “قوة استقرار دولية”، وإدارة القطاع من قِبَل “لجنة فلسطينية غير سياسية”، إضافة إلى عملية إعادة إعمار يشرف عليها “مجلس للسلام” يترأسه ترامب شخصيًا. ورغم أن القوات الأميركية لن تكون جزءًا من قوة الاستقرار داخل حدود القطاع، إلا أنه جرى نشر نحو مئتي جندي أميركي في المنطقة لمراقبة وقف إطلاق النار والمساعدة في تسهيل إيصال المساعدات. طبعًا، قد لا يكون الهدف هنا إقامة ديمقراطية على النموذج الجيفرسوني. لكننا نبدو بوضوح، في نظر كثيرين، بإزاء مشروع لبناء دولة.

وأخيرًا، وبعد أن انتقد ترامب أسلافه لانشغالهم المفرط بملفات حقوق الإنسان، ألمح في بداية ولايته، خلال تصريحات أدلى بها أثناء زيارته للمملكة العربية السعودية، إلى أن الولايات المتحدة لن تعود إلى نمط “إلقاء المحاضرات” على الدول الأخرى بشأن ممارسات الأخيرة الداخلية. إلا أنه، منذ ذلك الحين، أعاد توجيه موقف بلاده تجاه ثلاث دول على الأقل — البرازيل ونيجيريا وجنوب أفريقيا — بسبب ما يعتبره الرئيس سوء معاملة للخصوم السياسيين والأقليات الدينية والإثنية.

إذًا، ما تكشّف لنا هذا العام هو أن دونالد ترامب لا يسعى إلى إنهاء القيادة الدولية الأميركية، بل إلى إعادة تصميمها. فقد رفض المقاربات التقليدية للعولمة والتدخل الخارجي – ليس بدافع الانعزال، بل بسبب ما يراه عدم كفاءتها، ونزعتها الأخلاقوية، وفشلها في تحقيق نتائج ملموسة قابلة للقياس. ويعتقد ترامب أن القوة الأميركية يمكن ممارستها بشكل أكثر انتقائية، وأكثر براغماتية قائم على المقايضة، وبإلقاء كلفة أقل على كاهل الداخل الأميركي.

غير أن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان هذا النهج الانتقائي – الصفقاتي قادرًا على تحمّل المقايضات الحتمية التي يولّدها. فالرئيس الذي انتُخب على وعد بعدم خوض حروب خارجية جديدة قد يجد نفسه قريبًا أمام خيارات صعبة، إذا ما تصاعد الضغط على فنزويلا من مستوى الإكراه إلى مستوى الصدام العسكري. كما أن شعار “السلام عبر القوة” لن يُختبر بالخطاب، بل بمدى استعداد الإدارة لتخصيص موارد مستدامة، وقبول مخاطر حقيقية، من أجل وضع حد للحرب في أوكرانيا، أو فرض احترام اتفاقات وقف إطلاق النار الهشّة والترتيبات السياسية في غزة، أو حتى في النزاع القائم بين كمبوديا وتايلاند.

وحتى تركيز ترامب على ضبط النفس ينطوي بحد ذاته على كلفة استراتيجية؛ إذ إن إعطاء الأولوية للدفاع عن الداخل الأميركي وترسيخ الهيمنة في النصف الغربي من الكرة الأرضية قد يعقّد الجهود الرامية إلى ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

لقد بات الشكل الناشئ من “الدولية الترامبية” أكثر وضوحًا مما توقّع كثيرون. غير أن مدى استدامة الأخير لن يتوقف أساسًا على طموحاته، بقدر ما هو سيتوقف على كيفية تعامُل الإدارة، والرأي العام الأميركي، مع التوترات الداخلية التي قد تثبت، مع مرور الوقت، صعوبة إدارتها هي الأخرى.

 

ترجمة بتصرّف

بقلم: مايكل فرومان/رئيس مجلس العلاقات الخارجية

 

 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.