تزدحم المناسبات المرتبطة بالمشهد السياسي اللبناني هذا العام: عام على سقوط نظام بشار الأسد، عام على انتهاء حرب الإسناد الكارثية وتوقيع اتفاق الهدنة، وعام على عودة الروح إلى المؤسسات وبدء العمل فيها بعد تعطيل دام أكثر من سنتين، إثر انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية. كما يصادف مرور ثلاثة عقود ونيّف على توقيع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب ووضع أسس السلم الأهلي وبناء الدولة. ورغم هذه التحولات التي كان يفترض أن تشكل حافزاً للانطلاق نحو التغيير الفعلي والمنتظر، يبقى السؤال الجوهري: هل نجحنا في الإفادة مما حصل، أم ما زلنا عالقين في المربّع الأول؟
السؤال ليس عبثياً ولا من قبيل الترف الفكري، ولا ينطلق من خلفية تشاؤمية، بل تفرضه حالة التردي التي نعيشها على أكثر من مستوى، لاسيما في بُعدَيها السياسي والدستوري، وفي مجمل الأداء الذي لم يكن على مستوى التوقعات.
فعلى المستوى الداخلي، نجد أنّ منظومة القيم والمصالح التي تغذّي منطق التغوّل على الدولة ما تزال مستمرة، وأنّ التدابير الضرورية على مستوى الحكم والإدارة غائبة. إنه التراخي نفسه في خوض التجربة الفعلية لتنفيذ الأهداف المعلنة، سواء في محاربة الفساد، أو تحصين الإدارة العامة، أو ضبط الحدود ومكافحة التهريب. وتكفي العودة إلى البيانات الوزارية المتعاقبة، لنكتشف أنها تكاد تكون نسخة مكررة يُعاد طبعها غبّ الطلب، بلا تغيير فعلي في البنود والشعارات.
هذا النمط من السلوك المألوف بات يكرّس فجوة متّسعة بين القول والفعل. فالسلطة التي لا تقوى على تنفيذ أبسط التزاماتها، ولا تحاسب المرتكب، ولا تبادر إلى وقف المسار التراجعي، تبدو كأنها فقدت البوصلة السياسية. والمطلوب اليوم إرادة سياسية واضحة المعالم، تُترجَم بخطوات عملية شفافة، وتُحاسِب بمفعول رجعي، وترسم سياسات واضحة تعلي شأن المصلحة العامة. فما زلنا نجهل كيف تُفتح الملفات وكيف تُقفل، حتى بات في لبنان سجلّ أسود للجرائم التي يُفترض ألا تُخفى.
أما على المستوى الإقليمي، فكل تلك التطورات الاستراتيجية التي شهدها الشرق الأوسط في غضون عام واحد، لم تجد صداها في سياسة لبنان الخارجية. هذا الواقع المؤلم يعكس نقصاً في إدراك خطورة ما يجري حولنا، وعجزاً عن قراءة الديناميكيات الدولية بكل تعقيداتها وفرَصها الكامنة، وهَدراً للمزايا المباشرة التي أتاحتها لحظة سقوط الجار المستبد، الذي أدى سقوطه إلى انهيار منظومة كاملة من الهيمنة، وأنهى عملياً مرحلة طويلة من التدخل المباشر في القرار الوطني اللبناني. كما فتح الباب أمام تعزيز ممارسة السيادة تجاه الداخل والخارج على السواء، وأتاح الفرصة مجدداً لإعادة بناء العلاقات اللبنانية – السورية على أسس سليمة قوامها الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين.
وسط هذه المراوحة، يبدو لبنان خارج لحظة تاريخية قد لا تتكرر، لإعادة التموضع السياسي على قاعدة تُعلي حصراً المصلحة الوطنية. فالتحولات التي رافقت سقوط بشار الأسد وأنهت زمن المحاور والانقسامات التي فُرضت على لبنان قسراً، تساعد في بلورة موقف وطني يقطع الصلة مع الماضي. وأي تلكؤ في المضي بالإصلاحات الموعودة سيفقد لبنان الدعم الاقتصادي والاستثمارات وفرص إعادة الإعمار.
انطلاقاً مما تقدم، تبدو السلطة غارقة في حساباتها الضيقة، بدل الإحاطة بما يحدث في المنطقة، والتقاط الإشارات، والبدء بتكوين ملامح دورها في الإقليم، وتثبيت موقعها الجيوسياسي، مستفيدة من رغبة عربية ودولية واضحة. نراها تواصل إهدار الوقت والفرص، فيما الآخرون يحددون مستقبل المنطقة. وقد بدا الرئيس أحمد الشرع أكثر فهماً للمتغيرات حين خاطب الأمير محمد بن سلمان في أول زيارة له إلى السعودية قائلاً: «نحن عرفنا المفتاح أين».
باتت ركائز السياسة الأميركية في الشرق الأوسط واضحة في مسار هيكلة جديدة لموازين القوى في المشرق العربي، على قاعدة إنهاء الصراعات وتضييق مساحاتها، بمساعدة دول إقليمية حليفة لها، تمهيداً لبدء مرحلة جديدة من مشاريع إعادة الإعمار وترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية، من خلال تعزيز دور الدول وضبط الحدود وإنهاء دور الميليشيات في الإقليم عموماً.
فالتاريخ يسير كمياه النهر، لا ينتظر أحداً، والفرص المتاحة قد لا تتكرر.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
