عاماً بعد عام، تتكرر الحقيقة المرة: المدارس الخاصة في لبنان، وخصوصاً الكاثوليكية منها، لم تعد صروحاً تربوية، بل مؤسسات استثمارية تتخفّى خلف الشعارات الدينية والتربوية لتثقل كاهل الأهل بأقساط فاحشة، وتنحرف تدريجياً عن رسالتها التعليمية لتتحول من منارات للعلم إلى أدوات جباية ممنهجة، تسرق الأمل من عيون الطلاب ومستقبلهم.
في المقابل، تُترك المدارس الرسمية لمصيرها البائس، يُهمَل دعمها عمداً، وكأنّ في الأمر تواطؤاً غير معلن بين أركان الدولة والقطاع الخاص التربوي، أو صفقة صامتة تقتسم بموجبها السلطة والمال. النتيجة: مؤسسات رسمية عاجزة، ومناهج مترهّلة، وجيلٌ يُساق قسراً إلى الجهل أو إلى الهجرة.
وبين نارَي التعليم الخاص المرهق والتعليم الرسمي المتداعي، يُسحق الأهل سحقاً. يبيعون أرضهم، يهاجرون، أو يغرقون في الديون لتأمين مستقبل أولادهم. بعضهم فقد الأمل تماماً، فاختار الموت انتحاراً على العجز، في وطنٍ بات التعليم فيه امتيازاً طبقياً لا حقّاً إنسانياً.
ولم تقف المأساة عند حدود الأقساط، بل تجاوزتها إلى كل ما يمكن استغلاله مادياً: قرطاسية ومناهج تُبدَّل سنوياً بذرائع واهية، وكتب تُمنع إعادة استخدامها لإجبار الأهالي على الشراء المتكرر، ولباس مدرسي فخم لا حاجة له سوى لإشباع نزعة التفاخر. كل ذلك تحت شعار “التميّز التربوي”، فيما الحقيقة أنه تميّز في الاستنزاف المالي.
أما حجة المدارس، فهي كليشيه محفوظ: “رواتب المعلّمين وتعويضاتهم”. لكن الواقع يُكذّب هذا الادعاء؛ فالمعلمون في شكوى دائمة، يصرخون في الشوارع ويضربون في الساحات، يطالبون بحقوقهم المسلوبة، بينما إدارات المدارس تمارس سياسة الصمم الانتقائي. الحوارات والمواجهات التي تُعرض على الشاشات تكشف صدقية مظلوميتهم وتُظهِرُ التباين بين وعود المؤسسات التعليمية والتزامها الفعلي تجاه موظفيها.
ولم تكتفِ هذه المؤسسات بالشكوى، بل نصّبت نفسها ضحية دائمة. تصرخ بالويل والثبور عن “الخسائر” و”خطر الإقفال”، فيما تبني قصوراً تعليمية تشبه القلاع، وتتباهى بفخامة الحجر بدل عمق الفكر. ظاهرها تواضع وعجز، وباطنها أرباح خيالية. مباني شاهقة، ملاعب خرافية، ومظاهر بذخ لا تخفي عقلية ربحية مفرطة تهدر المال في الإسمنت والرخام بدل تطوير المناهج والأساليب التربوية.
والأسوأ أنّ أبناء “العالم الثالث” يُتركون ليحملوا حقائبهم الثقيلة كرمز لمعاناة التعليم البائس، فينحني ظهر الطفل تحت ثقلها كما تنحني الدولة تحت ثقل فسادها. أمراض في العمود الفقري، إجهاد بدني مبكر، وإهمال تربوي شامل. فبينما تُستنزف الأموال في الرفاهيات الشكلية، تغيب الرؤية التربوية والبحث العلمي، ويغيب معها الإنسان.
أما المؤسسات الكنسية والإكليروس، فيمارسون خطاباً مزدوجاً لا يقل تناقضاً. يندبون تهجير المسيحيين وبيع الأراضي وفراغ الكنائس وقلة الإنجاب، لكنهم يغضّون الطرف عن الأسباب التي يمكنهم معالجتها لو شاؤوا. يرفعون شعارات الرعاية والمسؤولية، لكنهم يتركون الأهل فريسة الأقساط المجحفة في الدارس التابعة لهم، متذرعين بأنهم “لا يملكون سلطة على الإدارات”، وكأنهم شركاء في النعمة وغرباء عن المسؤولية. تناقض صارخ بين شعاراتهم وبين أفعالهم الفعلية.
طامة أخرى، لا سيما في المدارس التي تُصنّف نفسها “أرستقراطية”، حيث يبلغ الانحراف ذروته. إذ تتجاوز نشاطاتها حدود المعقول، فتصل أحياناً إلى تنظيم رحلات سفر فاخرة للطلاب، بالإضافة إلى إقامة النشاطات التجارية والمعارض بهدف جمع الأموال، ما يساهم في تحويل المدارس تدريجياً إلى مؤسسات استثمارية. هذا البذخ يرسّخ فجوة كبيرة بين القادرين وغير القادرين على مجاراة الترف، ويخلق جواً من القلق النفسي والضغط الاجتماعي، يؤثر على ثقة الطلاب بأنفسهم ويضعف تحصيلهم الدراسي ونتائجهم، حتى باتت المدارس أشبه بساحة لمقارنة المكانة الاجتماعية والقدرة المالية، لا بمؤسسات تعليمية تكرّس الموهبة والجهد الشخصي.
وما يزيد الطين بلّة، أن تدفّق الأموال جعل من المعلّمين شبه موظفين عند الأهالي، لا عند المدرسة. يخضع الأستاذ لرغبات الطالب خوفاً من سلطة المال، ويفقد دوره التربوي في فرض النظام أو بناء الشخصية. هكذا يُربّى جيل على المال لا على القيمة، على الامتياز لا على الاجتهاد.
وفي النهاية، لا يمكن توصيف المشهد التربوي في لبنان إلا بأنه منهار أخلاقياً قبل أن يكون مأزوماً مالياً. الدولة تتقاعس عمداً، المرجعيات الدينية تصمت مصلحةً، والمؤسسات التعليمية تُتخم أرباحاً. والنتيجة: تعليم بلا رسالة، وأجيال بلا أفق، ومستقبل بلا أمل.
فهل يتحرّك المعنيون، الرسميون والروحيون، لإنقاذ ما تبقّى قبل أن يطغى الظلام على آخر بصيص من نور المعرفة؟ أم أنّ صمتهم هو إعلان غير مكتوب بانتهاء الرسالة التربوية في لبنان؟

شفيق حبيب
ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.
