من معراب إلى عين التينة وبعبدا… «من أين لكم هذا» فيما المواطن يدفع الثمن؟

في لبنان، يبدو أن السلطة باتت مقياسًا للثروة، وأن السياسة تحوّلت إلى وسيلة للتكديس المالي لا أكثر.

سمير جعجع، صاحب القصر الفخم في معراب، يعيش محاطًا بطواقم عمل فنية وخدمية وإدارية، وبعشرات رجال الأمن، في نمط حياة فاره يُموَّل، عمليًا، من المال العام. كيف يمكن تبرير هذا الكم من الرفاهية؟ وما مصدر هذه الأموال الضخمة التي تموّل قصرًا، وحراسة، ومصاريف لا تُحصى، فيما المواطن البسيط يكافح يوميًا لتأمين أساسيات عيشه؟

ميشال عون، بعد انتهاء ولايته رئيسًا للجمهورية، انتقل من قصر بعبدا إلى فيلته الخاصة، المكتسبة في فترة كانت البلاد تغرق فيها في أزمة اقتصادية خانقة، في وقت لا يكفي فيه راتبه الرسمي، نظريًا، لتغطية مصاريف شهرية عادية. يُقال إن الفيلا كانت هبة. لكن السؤال المشروع هو: لماذا؟ ولأي سبب تُقدَّم لرئيس سابق هدايا بهذه القيمة؟ وما سر هذا التفضيل الاستثنائي؟ هل نحن أمام استغلال لموقع السلطة؟ نحن لا نتّهم، بل نسأل، ونطالب بإجابات.

نبيه بري، على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، حكم مجلس النواب كحاكم فعلي، راكم ثروات هائلة، وامتلك عقارات متعددة، وأحاط نفسه بجهاز أمني واسع، فيما يدير صندوقًا باسم مجلس الجنوب يفتقر إلى رقابة صارمة على الإيرادات والمصروفات والهبات. كيف يمكن لشخص بهذه السلطة والنفوذ أن يبقى بمنأى عن أي تدقيق أو مساءلة مالية، في حين يُفترض بالقانون أن يحمي الدولة والمواطن معًا؟

جورج بوشكيان، الذي اتهمه القضاء بالرشوة والابتزاز والفساد، غادر البلاد برفقة عائلته من دون أي مساءلة فعلية، رغم أن التحقيقات كانت قائمة، والملف مفتوحًا، مع مخاوف جدية من إقفاله بطريقة تشوبها الريبة.

أما أصحاب المولدات الكهربائية، فقد باتوا يمتلكون قدرة تفوق قدرة الدولة نفسها ومؤسسة كهرباء لبنان، يستخدمون أعمدة الدولة وبنيتها التحتية بلا رقيب أو حسيب، ويحرمون الخزينة العامة من إيرادات يفترض أن تعود بالنفع على المواطنين، فيما يستمر السياسيون في حماية مصالحهم ومصالح مقرّبيهم من دون أي عائق.

وحيـتان الأملاك البحرية؟ محميّون سياسيًا ومنظوميًا، مستفيدون من المحسوبيات والتخفيضات الضريبية، بلا أي مساءلة، فيما المواطن يدفع الكلفة كاملة: لا خدمات صحية لائقة، ولا تعليم رسمي قادر على الصمود، ما يضطره إلى دفع مبالغ طائلة للمدارس الخاصة، بعدما انهارت المدارس الرسمية، وغرقت المستشفيات العامة في الإهمال.

كل ذلك يحدث في وقت تستنزف فيه الدولة آخر ما تبقّى من قدرات اللبنانيين. فقد فُرضت مؤخرًا زيادة على الضريبة على القيمة المضافة، وارتفع سعر صفيحة البنزين، واستُحدثت ضرائب ورسوم جمركية جديدة، فيما تستمر ثروات السياسيين في التضخّم بلا أي رقابة. المناطق اللبنانية كافة تخضع لزعامات محلية تدير منظومات هرمية من المحاسيب، تمتد من قمة الهرم إلى أصغر السماسرة والمستفيدين، بما يضمن النفوذ والمال من دون مساءلة.

المطالبة بالتدقيق الجنائي والمالي والعقاري باتت ضرورة وطنية. فالتدقيق واجب مؤسسي يهدف إلى كشف مصادر هذه الثروات، والتحقق مما إذا كان هناك استغلال للسلطة أو فساد مستتر. الجهات القضائية والمالية المختصة تملك الأدوات والخبرة لتدقيق الحسابات ومراجعتها، وعلى ضوء النتائج، تُحال الملفات إلى المحاكم المختصة لتطبيق الأحكام من دون استثناء أو محاباة.

هذا المسار، على صعوبته، يبقى الطريق الوحيد لاستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة وبالقانون. فالمسألة باتت ضرورة اجتماعية واقتصادية وسيادية. لا يمكن السماح باستمرار الفساد بلا رادع، ولا بترك الثروة العامة تُستنزف لصالح أقلية، فيما يُثقل المواطن العادي بالضرائب ويُترك فريسة لخدمات شبه معدومة.

«من أين لكم هذا؟» سؤال يتردّد في كل بيت لبناني، مع كل ضريبة جديدة، وكل ارتفاع في أسعار الوقود والسلع الأساسية، وكل تراجع إضافي في الخدمات العامة. هو السؤال ذاته الذي يوجّهه المواطن إلى كل سياسي تضخّمت ثروته بلا تفسير، وكل مسؤول استغل موقعه لتكديس المال، وكل منظومة محلية تحمي النفوذ والمصالح الخاصة.

«من أين لكم هذا؟» سؤال لن يهدأ، ولن يسقط بالتقادم، لأن الوقائع واضحة، والثروات مرئية، والفساد لم يعد خافيًا على أحد. الحل يبدأ بالتدقيق، ويمرّ بالمحاسبة، ولا يكتمل إلا بقضاء عادل. عندها فقط يمكن تحقيق الردع، ومنع المتسلّقين الجدد من تكرار النموذج نفسه، ليعود الحكم أداة لحماية الشعب لا لاستنزافه.

لبنان، إن كان لا يزال هناك أمل به، يبدأ من هنا: من مساءلة السياسيين، ومحاسبة الفاسدين، واستعادة الأموال المنهوبة من الخزينة، ورفع الصوت بالحقيقة بلا خوف ولا تردّد.

والمواطنون لن يتوقفوا عن السؤال، ولن يتراجعوا عن المطالبة بالعدالة: من أين لكم هذا؟

مقالات الكاتب

شفيق حبيب

ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.