الشرق الأوسط على حافة الهاوية: لماذا تتراجع الحروب الكبرى في اللحظة الأخيرة؟

يعيش الشرق الأوسط منذ عقود على إيقاع الأزمات المتعاقبة، غير أنّ ما يميّز اللحظة الراهنة هو شعورٌ واسع بأنّ المنطقة تقف على حافة منعطف تاريخي بالغ الخطورة. فالتصعيد العسكري، وتعدّد الجبهات، وتداخل القوى الإقليمية والدولية، كلّها عوامل تجعل سؤال اندلاع حرب إقليمية شاملة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

في السياسة الدولية، تتكرّر لحظات يبدو فيها أنّ الحرب أصبحت مسألة وقت لا أكثر. تتصاعد التهديدات، وتتحرّك الجيوش، وتزداد حدّة الخطاب السياسي، فيما يترقّب العالم ما إذا كانت الأزمة ستنتهي عند حدود الضغط، أم ستتحوّل إلى مواجهة واسعة النطاق.

ورغم أجواء التعبئة العامة، تكشف التجربة التاريخية أنّ كثيرًا من هذه الأزمات ينتهي قبل الوصول إلى الانفجار الكبير. ليس لأنّ أسباب الصراع تختفي فجأة، بل لأنّ الأطراف المتصارعة تصل في نهاية المطاف إلى إدراكٍ مشترك مفاده أنّ الحرب الشاملة قد تكون مكلفة إلى حدّ يجعل الانتصار فيها بلا معنى فعلي.

هذه المفارقة هي ما يجعل الشرق الأوسط اليوم يقف على خطٍّ دقيق يفصل بين التصعيد والردع.

القانون الدولي كإطار لا يمنع الصراع

من الناحية القانونية، يقوم النظام الدولي الحديث على قاعدة واضحة نصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة، مفادها حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، إلّا في حالات محدّدة، أبرزها الدفاع عن النفس أو العمل بموجب تفويض صريح من مجلس الأمن.

غير أنّ الواقع السياسي يظلّ أكثر تعقيدًا؛ فالدول لا تتحرّك دائمًا ضمن الحدود الصارمة للنصّ القانوني، بل ضمن تفسيرات سياسية لمفاهيم فضفاضة، مثل الدفاع عن النفس أو حماية الأمن القومي.

هنا يبرز التوتّر الدائم بين القانون الدولي وموازين القوة. فالقانون يمنح الشرعية، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على منع الصراع، أمّا القوة فتصنع الوقائع على الأرض، لكنها تحتاج، في المقابل، إلى غطاء سياسي وقانوني أمام المجتمع الدولي.

نحو نظام إقليمي متعدّد القوى

تشير تقارير صادرة عن مراكز بحثية أوروبية، مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) والمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، إلى أنّ الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة تعدّد مراكز القوة الإقليمية.

ويعني ذلك أنّ المنطقة لم تعد خاضعة لنفوذ قوة واحدة قادرة على فرض قواعد اللعبة، بل أصبحت ساحة مفتوحة لتفاعل قوى إقليمية ودولية متعدّدة، لكلٍّ منها مصالحه وحساباته وحدوده.

هذه القراءة الواقعية للمشهد تفضي إلى مفارقة استراتيجية واضحة: فمع أنّ احتمالات الأزمات والتصعيد باتت أعلى، إلّا أنّ كلفة الحرب الشاملة أصبحت في المقابل أكثر تعقيدًا وخطورة. فكلّ طرف يمتلك القدرة على إلحاق ضرر بالغ بخصومه، لكن لا أحد يمتلك القدرة على تحقيق انتصار حاسم من دون دفع أثمان باهظة قد تتجاوز قدرته على الاحتمال.

الاقتصاد في قلب المعادلة

بالنسبة إلى أوروبا، لم يعد الشرق الأوسط مجرّد ساحة بعيدة للأزمات، إذ تعتمد القارّة الأوروبية بدرجة كبيرة على استقرار الممرّات البحرية العالمية الحيوية للتجارة والطاقة.

وفي دراسة صادرة عن تشاتام هاوس البريطاني، يحذّر الباحثون من أنّ أي اضطراب طويل الأمد في طرق التجارة البحرية، مثل البحر الأحمر أو قناة السويس، قد يؤدّي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والطاقة. كما يشير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) إلى أنّ أوروبا تواجه معضلة واضحة، تتمثّل في قلقها المتزايد من التداعيات الاقتصادية والأمنية للصراعات في المنطقة، في وقت لا تمتلك فيه الأدوات العسكرية أو السياسية الكافية لتغيير مسار الأحداث أو التأثير الحاسم في توازناتها.

مؤتمر فيينا بعد حروب نابليون

لفهم منطق التوازنات الدولية، يعود كثير من الباحثين والمحلّلين الأوروبيين اليوم إلى التذكير بتجربة تاريخية مفصلية أعقبت الحروب النابليونية. فبعد عقود من الصراعات العنيفة التي اجتاحت القارّة الأوروبية، اجتمعت القوى الكبرى في مؤتمر فيينا عام 1815، وأسفر هذا الاجتماع عن قيام نظام سياسي عُرف باسم نظام الوفاق الأوروبي (Concert of Europe).

لم يكن هذا النظام قائمًا على فكرة السلام المثالي بين القوى الكبرى، بقدر ما تأسّس على مقاربة واقعية جوهرها منع أي قوة منفردة من الهيمنة على القارّة الأوروبية. فقد أدركت الدول الأوروبية الكبرى آنذاك أنّ الحروب المتكرّرة قد تؤدّي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام السياسي بأكمله، ولذلك سعت إلى إدارة الأزمات عبر توازنات سياسية دقيقة بدل الانزلاق إلى مواجهات عسكرية كبرى.

ورغم أنّ هذا النظام لم يمنع اندلاع جميع الصراعات، إلّا أنّه نجح في الحفاظ على قدرٍ من الاستقرار النسبي في أوروبا لعقود طويلة، مقارنةً بمراحل تاريخية سابقة اتّسمت بحروب شاملة ومتواصلة.

لماذا تتراجع الحروب أحيانًا؟

في الدراسات الاستراتيجية الحديثة، يُفسَّر هذا النوع من التوازن من خلال مفهوم الردع المتبادل. ووفقًا لتحليلات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فإن امتلاك كلّ طرف من أطراف الصراع القدرة على إلحاق ضرر كبير بالآخر يجعل قرار الحرب محفوفًا بمخاطر يصعب التحكّم بها أو احتواء نتائجها.

هذا التوازن لا يمنع التصعيد بالكامل، لكنه يخلق سقفًا غير معلن للنزاع العسكري، بحيث تتصاعد الأزمات بين حين وآخر، وقد تتخلّلها ضربات عسكرية محدودة، إلّا أنّ الأطراف المتقابلة غالبًا ما تحاول تجنّب الخطوة التي قد تجعل الحرب مسألة خارجة عن السيطرة.

القيادة السياسية وحدود المغامرة

تلعب شخصية القادة السياسيين دورًا مهمًا في إدارة الأزمات الدولية، إذ يعتمد بعضهم أسلوب التصعيد والمفاجأة كأداة تفاوضية. غير أنّ التجربة التاريخية تشير إلى أنّ قرارات الحرب الكبرى لا تُتّخذ، في الغالب، من قبل شخص واحد فقط.

ففي الدول الكبرى، كالولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال، تشارك مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية متعدّدة في عملية صنع القرار، وغالبًا ما تميل هذه المؤسسات إلى تجنّب الخيارات التي قد تؤدّي إلى حروب طويلة الأمد وغير قابلة للتنبّؤ بنتائجها.

وفي تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يشير الباحثون إلى أنّ الأنظمة السياسية الكبرى تميل، في نهاية المطاف، إلى البحث عن مخارج سياسية عندما تصبح كلفة التصعيد غير قابلة للاحتواء أو الاستدامة.

لبنان بين الضغوط الخارجية وتماسك الداخل

في هذا السياق، لا يمكن للبنان أن يبقى خارج الحسابات الإقليمية. فبحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يُعدّ من أكثر البلدان تأثّرًا بالتحوّلات الجارية في الشرق الأوسط. غير أنّ دروس التاريخ تشير إلى أنّ الدول الصغيرة الواقعة في مناطق التوتّر تستطيع، أحيانًا، حماية استقرارها الداخلي عندما تدرك أنّ الصراعات الإقليمية لا تُحسم دائمًا في ميادين القتال، بل كثيرًا ما تنتهي بتسويات سياسية بعد مراحل من التصعيد.

وتفترض الحكمة السياسية على الحكومة اللبنانية الحفاظ على تماسكها الداخلي من جهة، وعدم السماح للمسائل الخلافية الداخلية بأن تتحوّل إلى عامل إضافي يضعف قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية من جهة أخرى. فالتجارب التاريخية، من أوروبا بعد الحروب النابليونية إلى الأزمات الدولية الأكثر حداثة، وتقارير مراكز الأبحاث الاستراتيجية، تُظهر أنّ الدول التي تحافظ على استقرارها الداخلي تكون أكثر قدرة على عبور مراحل الاضطراب الإقليمي بأقلّ قدر ممكن من الخسائر.

إنّ قوّة الدول الصغيرة لا تكمن في قدرتها العسكرية، بل في قدرتها على حماية وحدتها الداخلية وإدارة خلافاتها السياسية ضمن الأطر والمؤسسات الدستورية، بحيث تبقى الدولة قادرة على تمثيل مصالحها الوطنية في لحظات التحوّل الكبرى التي تشهدها المنطقة.

ختامًا، قد يبدو للمراقبين أنّ الشرق الأوسط اليوم أقرب إلى الحرب من أي وقت مضى، لكنّ التاريخ الدولي يقدّم درسًا متكرّرًا مفاده أنّ الأزمات التي تصل إلى حافة الانفجار لا تتحوّل دائمًا إلى حروب شاملة وحاسمة. ليس لأنّ الأطراف المتصارعة تكتشف فجأة طريق السلام، بل لأنّها تدرك في اللحظة الأخيرة أنّ الحرب الكبرى قد تكون لعبة يخسر فيها الجميع.

وهكذا، تبدو المنطقة مرشّحة للبقاء، كما كانت دائمًا، تتحرّك على خطٍّ دقيق بين الصراع والتوازن، حيث يمكن لقرار واحد أو سوء تقدير واحد أن يغيّر مسار الأحداث. غير أنّ حسابات الكلفة الكارثية تبقى العامل الحاسم الذي يدفع القادة، في اللحظة الأخيرة، إلى التراجع خطوة إلى الوراء كي لا يسقط الجميع في الهاوية. ومن هنا، قد يكون الرهان في نهاية المطاف على الدبلوماسية، لا لأنّها الخيار المثالي، بل لأنّها تصبح أحيانًا الخيار الوحيد عندما تدرك القوى المتصارعة أنّ الحرب الشاملة تعني الخسارة المشتركة للجميع.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.