شكّلت المرحلة الافتتاحية من عملية «الغضب الملحمي» حملة ضربات منسّقة هدفت إلى تعطيل استمرارية القيادة الإيرانية وتقويض قدرتها على الردّ. وتشير التصريحات الرسمية إلى ذلك بوضوح؛ إذ أعلن مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن العملية صُمّمت لإضعاف القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، وإزالة تهديدات وشيكة تستهدف القوات الأميركية والإسرائيلية. كما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، عبر التلميح إلى تغيير النظام، والدعوة إلى اغتنام اللحظة من قبل الشعب الإيراني لإحداث تحوّل سياسي داخلي. وقد أسفرت الضربات بالفعل عن مقتل المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الأمنيين.
من منظور عسكري، تؤثر إزاحة القيادة العليا مباشرة في تماسك القيادة السياسية. غير أن التصميم العملياتي للضربات يشير إلى هدف أوسع من مجرد «قطع الرأس». فاستهداف منظومات الدفاع الجوي المتكاملة، وشبكات الرادار والاستشعار، والبنية التحتية للصواريخ البالستية، وقدرات منع الوصول البحري، يعكس سعياً إلى حملة قمع طويلة الأمد ضد منظومة الردّ الإيرانية. كما يوحي نمط الضربات بوجود تقسيم وظيفي في الأدوار، حيث ركّزت القوات الأميركية على القمع واسع النطاق وتدمير البنية التحتية للقدرات الانتقامية، فيما تولّى الجانب الإسرائيلي استهداف عقد القيادة والسيطرة. وعليه، فإن مركز الثقل العملياتي للحملة يرتبط بمدى قدرة الأنظمة الإيرانية المتحركة على البقاء والتجدد تحت ضغط قمع مستمر.
وصف المسؤولين للعملية بأنها «حملة متعددة الأيام» يعني عسكرياً تنفيذ دورات ضرب متتابعة، تتخللها عمليات تقييم أضرار المعركة، وإعادة تشكيل حزم القوة. ويكمن المتغير الحاسم هنا في «الوتيرة العملياتية»؛ أي ما إذا كانت دورات الضرب اللاحقة ستُعمّق الأضرار السابقة، أم أن الزخم العملياتي سيتراجع قبل إحداث تقليص ملموس في القدرات الإيرانية.
تشير التقارير الأولية إلى توزيع جغرافي واسع للأهداف داخل إيران، يتّسق مع حملة قمعية منهجية. فقد أُبلغ عن ضربات في طهران ومحيطها، حيث تتركز وظائف القيادة المركزية، إلى جانب نشاط في منطقة أصفهان والممرات الغربية المرتبطة تاريخياً بتخزين ونشر الصواريخ البالستية. كما شملت الأهداف مواقع قريبة من منشآت ساحلية، ما يوحي بإدراج قدرات المنع البحري ضمن قائمة الأهداف المبكرة. ويعكس هذا الانتشار عبر مناطق عملياتية مركزية وغربية وجنوبية محاولة لتقويض طبقات متعددة من منظومة الردّ الإيرانية، مع فتح وتأمين الوصول العملياتي لدورات ضرب لاحقة.
سارعت إيران إلى الرد على الضربات الأولى. ويشير زمن الاستجابة السريع إلى احتفاظها بحزم استهداف مُعدة مسبقاً وشروط جاهزية لعدد من الأهداف. فقد أُطلقت صواريخ بالستية وأنظمة جوية غير مأهولة باتجاه إسرائيل ومنشآت عسكرية أميركية في قطر والعراق والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة والسعودية والأردن. ويُظهر الامتداد الجغرافي الواسع للرد أن عناصر من القوة الصاروخية وقوة الطائرات المسيّرة الإيرانية بقيت عاملة وقادرة على العمل متعدد المحاور، رغم جهود القمع الافتتاحية. كما اتّسم الرد الإيراني بإطلاقات متعاقبة، لا بوابل واحد مركّز، ما يدل على احتفاظه بمخزون قابل للاستخدام وتوظيف مرحلي للقدرات الصاروخية وغير المأهولة.
ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض عدد كبير من المقذوفات، سُجّلت إصابات في بيئات مختلطة مدنية-عسكرية. وبالمقارنة مع نمط الاستهداف الأميركي-الإسرائيلي داخل إيران، اعتمد النمط الإيراني بشكل أكبر على الإغراق العددي والانتشار الجغرافي.
يدل بدء القصف المضاد على أن المنظومات الصاروخية وغير المأهولة الإيرانية لا تعتمد كلياً على تفويض مركزي آني. فانتشار ألوية الإطلاق وبروتوكولات التفعيل الطارئ يسمح بتنفيذ عمليات انتقامية حتى في ظل اضطراب القيادة السياسية. وبناءً عليه، فإن تصفية القيادة وحدها لا تُلغي القدرة على الإطلاق؛ إذ ستعتمد المتانة الفعلية على قدرة المنصات المتحركة والدعم اللوجستي على الصمود تحت قمع متواصل. ومع ذلك، قد يضعف تعطيل القيادة المركزية التحكم بقرارات التصعيد. ففي حين تضمن البنى اللامركزية استمرارية الردّ، فإنها تزيد أيضاً مخاطر الردود غير المتوازنة أو ضعيفة الضبط، ما يعقّد الرسائل الاستراتيجية ويرفع منسوب عدم الاستقرار، حتى لو تراجع إجمالي حجم النيران الصاروخية.
يشير تركيب حزمة الضربات إلى أن الوصول العملياتي قد أُنجز ويمكن الحفاظ عليه بعد المرحلة الأولى. فطيران حاملات الطائرات، وقدرات الضرب البحري بعيدة المدى، والتزود الجوي بالوقود، ومنظومات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المستمرة، توفّر خيارات متعددة الطبقات لاستهداف منصات الإطلاق المتحركة والدفاعات الجوية المعاد تشكيلها. وتوسّع المنصات البحرية في الخليج وشرق المتوسط عمق الضربات وتقلّص الاعتماد على القواعد الجوية الإقليمية الثابتة، مع بقاء القواعد في قطر والبحرين والكويت والإمارات أساسية لإعادة توليد الطلعات والدعم اللوجستي.
وستؤثر قدرة هذه المنشآت على الصمود تحت ضغط صاروخي متواصل في تحديد الوتيرة العملياتية. كما توفر مجموعتا حاملات طائرات أميركيتان منتشرتان في المنطقة مرونة وعمقاً عملياتيين دون الاعتماد الكامل على قواعد ثابتة، لكنها في الوقت ذاته تشكّل أهدافاً عالية القيمة ضمن مدى الذخائر والطائرات المسيّرة الإيرانية. ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي الطبقية والحركية تعقّد عملية الاستهداف، فإن الضغط المستمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة يزيد العبء الدفاعي ويرفع مستوى المخاطر. وأي أضرار جسيمة بحاملة طائرات ستقيّد مرونة الطلعات، وقد تُفضي إلى تصعيد سياسي وعسكري سريع، مع زيادة الضغط الداخلي لاتخاذ رد حاسم، وتغيير مسار الحملة العملياتي.
سيحدد عمق المخازن وحجم استهلاك الذخائر إلى حد كبير مدة استمرار العملية. إذ يتعيّن على الذخائر الموجهة بدقة، والأسلحة بعيدة المدى، ومخزونات الاعتراض الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي الإقليمية، أن تدعم ليس فقط الدورات الهجومية، بل أيضاً متطلبات الدفاع ضد النيران المضادة. وإذا استمرت الإطلاقات الإيرانية بوتيرة متعاقبة، فمن غير المرجح أن تواجه مخزونات الاعتراض الأميركية-الإسرائيلية استنزافاً فورياً. غير أن تبادلات ممتدة على مدى أيام ستراكم الضغط على المخزونات الهجومية والدفاعية معاً.
تقدّم الحملة الإسرائيلية ضد إيران عام 2025 درساً مهماً في هذا السياق، إذ أظهرت الطبيعة المحدودة لمخزونات الصواريخ ومخازن الاعتراض تحت دورات إطلاق متكررة. فقد كان المخزون البالستي الإيراني قبل النزاع، والمقدّر بالآلاف القليلة، عرضة للاستنزاف السريع عند وتيرة عالية، في حين استهلكت الأنظمة الدفاعية أعداداً من المعترضات تفوق القدرة على تعويضها سريعاً. وعلى المدى الأطول، ستعتمد الاستدامة بدرجة أقل على حجم المخزون الأولي، وبدرجة أعلى على وتيرة الاستهلاك مقابل القدرة على إعادة الإمداد. ورغم امتلاك إيران قدرات محلية لتجميع الصواريخ والهندسة، فإن التجدد المستدام يظل مرتبطاً بالحصول على مدخلات أساسية للوقود الصلب، لطالما تطلبت مصادر خارجية.
بعبارة أخرى، فإن مدة الحملة تعتمد على التوافق بين متطلبات القمع والقدرة على الاستدامة. فإذا بقي توافر طائرات التزوّد بالوقود، واستمرارية الاستطلاع والمراقبة، وعمق الذخائر كافية لدعم دورات ضرب متكررة، فبإمكان القوات الأميركية-الإسرائيلية تقويض قدرات الإطلاق المتحركة الإيرانية وبنيتها الداعمة تدريجياً. أما إذا تعثّر القمع أو توسّعت الأعباء الدفاعية، فقد تتراجع الوتيرة العملياتية قبل تحقيق استنزاف فعلي ذي معنى.
تدخل الحملة الآن مرحلة حاسمة، ستحدّد فيها الوتيرة العملياتية ما إذا كان القمع سيؤدي إلى تدهور بنيوي في قدرات الردّ. فإذا توقّف القمع بعد مرحلة التعطيل الأولى، فستحتفظ ألوية الصواريخ الموزعة والشبكات المرتبطة بها بالقدرة على إعادة توليد نيران مضادة منسّقة. وفي هذه الحالة، ستتحول الحملة أساساً إلى أداة إكراه، لا إلى جهد مركز لتفكيك النظام.
وثمة مسار ثالث يتمثل في تبادل طويل الأمد لا يحقق فيه أي من الطرفين نتائج حاسمة أو ينجح في كبح التصعيد. عندها ستعتمد استدامة الحملة على القدرة الصناعية على التعويض، وعمق المخزونات الدفاعية، ومستوى التحمّل السياسي للمخاطر المستمرة. ومع امتداد الصراع ليشمل أصول أطراف ثالثة – كالشحن البحري، والبنى التحتية للطاقة، والقوات المتمركزة في الخليج – قد يتصلّب الاصطفاف بين الدول المتضررة، ما يوسّع الائتلاف ويرفع الكلفة السياسية لخفض التصعيد.
في المقابل، تملك طهران مسارات إضافية للرد، عبر شبكتها من الفاعلين غير الدولتيين المتحالفين معها في مسارح متعددة. ففي العراق، لطالما استهدفت فصائل تعمل ضمن إطار «الحشد الشعبي» منشآت أميركية، ويمكنها توسيع البصمة العملياتية للنزاع من دون الحاجة إلى إطلاق صواريخ تقليدية إضافية من الأراضي الإيرانية. وفي لبنان، يحتفظ حزب الله بترسانة كبيرة من الصواريخ والقذائف القادرة على فتح جبهة شمالية ضد إسرائيل. وفي اليمن، تملك قوات الحوثيين القدرة على تهديد الملاحة التجارية في البحر الأحمر، فيما تحتفظ العناصر البحرية في الحرس الثوري الإيراني بخيارات غير متماثلة في الخليج الفارسي، تشمل عمليات مضايقة، واستمرار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتهديد الأصول البحرية الأميركية.
وقد صنّف مسؤولون إيرانيون المنشآت والقواعد العسكرية الأميركية والحليفة أهدافاً مشروعة. كما تشير تقارير عن استهداف بنى تحتية للطاقة البحرية في الإمارات إلى أن أسواق النفط والغاز قد تشكّل بدورها أداة ضغط إضافية. وسيؤدي استمرار هذا الضغط إلى توسيع رقعة النزاع وزيادة الأعباء الدفاعية، من دون أن يفضي مباشرة إلى استعادة القدرات الصاروخية المتدهورة داخل إيران.
إن قمعاً مستداماً يفضي إلى تدهور مادي في بنية الردّ الإيرانية سيقلّص قدرتها على تنفيذ نيران مضادة منسّقة عالية الوتيرة، ويحوّل ديناميات الصراع مستقبلاً بعيداً عن الهجمات البالستية الموجّهة مركزياً من الدولة، باتجاه مسارات أكثر لامركزية أو غير متماثلة. وهذا التآكل، حتى وإن كان تدريجياً، سيضعف قدرة إيران على الإكراه، ويعيد تشكيل تصورات الردع الإقليمي، بما يؤثر ليس فقط في مآلات الصراع الحالي، بل في السلوك الاستراتيجي الأوسع في منطقة الخليج.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / أندرو ديفيدسون

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
