لماذا تزامنت اغتيالات العسكريين مع زيارة قائد الجيش إلى باكستان؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

أثار اغتيال عسكريين من الجيش اللبناني موجة من التساؤلات السياسية والأمنية التي تتجاوز حدود الجريمة الموضعية، لتدفع بالتحليل نحو توقيت الحدث وسياقه الجيوسياسي. فقبل ساعات قليلة من شيوع خبر زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان، جاءت صواريخ الاغتيال لتربط الميدان اللبناني بملفات الإقليم المتشابكة، ما يجعل من الصعب التعامل مع الأمر باعتباره مجرّد تزامن عابر أو مصادفة بريئة.

ليست المسألة هنا في أنّ زيارة قائد الجيش كانت مفاجئة أو سريّة، فالترتيبات البروتوكولية كانت معلومة مسبقاً لدى العواصم المعنية، وفي مقدّمتها واشنطن. لكن الثقل الحقيقي يكمن في الدلالة الاستراتيجية للمكان. فباكستان ليست مجرّد دولة إقليمية عادية، بل هي قوة نووية تمتلك تاريخاً طويلاً من الدبلوماسية وقنوات الاتصال العابرة للمحاور، وقدرة استثنائية على الاحتفاظ بخيوط تواصل متينة مع أطراف شديدة التخاصم، لا سيما ضمن المثلث الخليجي – الإيراني – الغربي.

وفي لحظة دولية حرجة تتكثّف فيها الأحاديث عن مفاوضات أميركية – إيرانية موازية، ومساعٍ لإعادة رسم الخرائط السياسية في الشرق الأوسط، تصبح أي محاولة لبناء قنوات اتصال جديدة تحت المجهر. من هنا، تكتسب زيارة قائد الجيش اللبناني إلى «إسلام آباد» بُعداً يتخطى التعاون العسكري التقليدي، إذ تمثّل دليلاً على رغبة المؤسسة العسكرية اللبنانية في تنويع الهوامش الاستراتيجية للبنان، والبحث عن شبكات أمان إقليمية خارج المظلّة التقليدية التي تخضع لضغوط مباشرة.

هذا المزيج من التوجّه العسكري – الدبلوماسي الجديد يصطدم مباشرة بالاستراتيجية الإسرائيلية التي تعمل منذ أشهر على فرض معادلة واضحة، مفادها أنّ لبنان ساحة مفتوحة ومطوّقة للضغط العسكري والسياسي، ولا حلول إلا ضمن الشروط التي ترسمها هي وتفرضها بقوة النار. هذه المعادلة تفترض عملياً إغلاق كل المسارات البديلة، ومنع أي طرف من فتح نوافذ تفاوض أو وساطات أو ترتيبات قد تخرج عن الإرادة الإسرائيلية المباشرة، ما يفسّر الحساسية المفرطة تجاه أي حراك يحاول كسر الاحتكار الأمني للمشهد اللبناني.

ويتجاوز البعد الاستراتيجي للاغتيال مجرّد الاعتراض على حركة دبلوماسية، ليصل إلى محاولة ممنهجة لتقويض المؤسسة العسكرية اللبنانية بحد ذاتها. ففي ظل التآكل المستمر لمؤسسات الدولة، يبرز الجيش كركيزة الاستقرار الوحيدة والجهة الضامنة لأي تفاهمات أو اتفاقات دولية قادمة. ومن هنا، فإنّ استهداف كوادر من المؤسسة العسكرية في هذا التوقيت بالذات، يمثّل محاولة لإضعاف هذه الضمانة، واختباراً لقدرتها على الصمود أمام اهتزازات أمنية داخلية متزامنة مع ضغوط خارجية، ما يعرّي الساحة اللبنانية ويفقدها ذراعها السيادي الأقوى.

إنّ هذه الرسائل الدموية ترتبط أيضاً بصراع أوسع يدور حول الوساطات الإقليمية. فمحاولة عزل المؤسسة العسكرية تهدف إلى منع لبنان من الانخراط في أي تفاهمات كبرى قد تنشأ بين القوى الإقليمية والدولية، مثل الصين وباكستان وإيران، ما يعني إبقاء لبنان في زاوية ضيّقة بعيداً عن خرائط التوازن الجديدة. والهدف النهائي من هذا الحصار المزدوج، الدبلوماسي والأمني، هو الإبقاء على «ستاتيكو» الضعف الدائم والإنهاك المستمر للدولة اللبنانية، لضمان عدم قدرتها على فرض أي شروط سيادية في مفاوضات الحدود أو الترتيبات الأمنية المستقبلية.

وبالتالي، فإنّ التحليل الاستراتيجي لا يقوم بالضرورة على توافر أدلة جنائية فورية أو روابط معلنة بين الأحداث، بل على قراءة التوقيت والسياق والجهات المستفيدة والرسائل الضمنية الكامنة خلف الوقائع. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تُصاغ رسائل الاعتراض والردع بالنار أكثر مما تُصاغ بالبيانات الدبلوماسية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى العملية الأمنية بوصفها «فيتو دموياً» مبكراً، يهدف إلى توجيه رسالة تحذير واضحة، مفادها أنّ أي محاولة لإعادة رسم التوازنات أو الخروج عن دوائر النفوذ والإملاءات القائمة قد تُواجَه سريعاً بخلط الأوراق، ولا سيما عبر البوابة الأمنية التي تبقى الأداة الأسرع والأكثر تأثيراً في فرض الوقائع على الأرض.

إنّ جوهر هذه القضية لا يكمن في حادثة الاغتيال وحدها، بل في الصراع على من يملك حق رسم مستقبل هذا البلد وتحديد الخيارات المتاحة أمام مؤسساته، حتى العسكرية والأمنية منها. وعندما تتقاطع التحركات السياسية مع الرسائل الأمنية الدموية في توقيت واحد، يصبح تجاهل الترابط المحتمل إنكاراً للواقع.

ويبقى السؤال الأهم: هل كانت هذه الرسائل الأمنية محاولة استباقية لإبقاء لبنان داخل معادلة الفوضى والصراع المفتوح، أم أنّها تعكس خشية مبكرة من مسار دبلوماسي جديد بدأ يتشكّل بعيداً عن مراكز النفوذ التقليدية؟ فالإجابة لن تحدّد فقط مصير حادثة أمنية عابرة، بل قد تكشف ما إذا كان لبنان مقبلاً على مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، أم على جولة جديدة من خلط الأوراق الإقليمية.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.