تكريم البروفيسور خالد تدمري في أنقرة: طرابلس حاضرة في ذاكرة العمارة والتراث

في محطة دولية لافتة تؤكد حضور الكفاءات اللبنانية في ميادين الثقافة والفنون والتراث، حاز ابن مدينة طرابلس، البروفيسور المعمار خالد عمر تدمري، “جائزة التميّز” عن فئة الثقافة والفنون، خلال احتفال أقيم في العاصمة التركية أنقرة برعاية رئاسة الجمهورية التركية وبتوجيه من الرئيس رجب طيب أردوغان.

الاحتفال، الذي نظمته رئاسة الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصلة YTB بالتعاون مع اتحاد روابط خريجي الجامعات التركية حول العالم Türkiye Alumni، جاء في إطار تكريم نخبة من خريجي الجامعات التركية الذين برزوا في بلدانهم ومجالات اختصاصهم. وقد شمل التكريم سبع شخصيات من جنسيات متعددة، توزعت إنجازاتها على سبعة قطاعات مختلفة، وكان للبنان حضوره من خلال البروفيسور تدمري الذي اختير تقديراً لمسيرته الأكاديمية والثقافية ودوره في صون التراث العمراني وإحياء الذاكرة المعمارية المشتركة بين لبنان وتركيا والعالم العربي.

وشهد الحفل حضوراً رسمياً وديبلوماسياً واسعاً، تقدّمه نائب رئيس الجمهورية التركية جودت يلماز، ووزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري أرصوي، وسفير لبنان في أنقرة منير عانوتي، إلى جانب ممثلين عن وزارات تركية، وسفراء دول عربية وأجنبية، ومحافظ أنقرة، وعدد من نواب حزب العدالة والتنمية في العاصمة التركية، إضافة إلى حشد كبير من الطلاب والخريجين من دول مختلفة.

وتزامن التكريم مع احتفال تخريج نحو 700 طالب أنهوا دراساتهم الجامعية هذا العام ضمن منح مقدمة من الدولة التركية، وتخرجوا من 208 جامعات منتشرة في مختلف المناطق التركية. ويعكس هذا الحدث حجم الشبكة الأكاديمية الدولية التي بنتها تركيا عبر برامجها الجامعية، إذ يضم اتحاد خريجي الجامعات التركية ما يقارب 150 ألف خريج من مختلف أنحاء العالم، بينهم شخصيات وصلت إلى مواقع متقدمة في السياسة والديبلوماسية والإعلام والبحث العلمي وريادة الأعمال.

ومن بين الشخصيات العربية التي شملها التكريم، إلى جانب البروفيسور تدمري، وزير الموانئ والنقل البحري الصومالي عبد القادر محمد نور، والإعلامية الفلسطينية في قناة TRT عربي لميس السردي، ما أضفى على المناسبة بعداً عربياً ودولياً يعكس تنوع مجالات التميز بين خريجي الجامعات التركية.

وباسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سلّمت مدير عام الشؤون الثقافية والإعلامية في وزارة الخارجية التركية، السفيرة ألكو كوجا أفا، الجائزة إلى البروفيسور خالد تدمري، مشيدة بالدور الذي أدّاه في خدمة التبادل الثقافي بين لبنان وتركيا، وبجهوده في توثيق المعالم العمرانية العثمانية وترميمها وإعادة إبراز قيمتها التاريخية في لبنان والعالم العربي. كما نوهت بما تمثله هذه المعالم من إرث حضاري مشترك يتجاوز الحدود الجغرافية ليشكّل جزءاً من الذاكرة الثقافية للمنطقة.

وقد حظي الحدث باهتمام إعلامي في تركيا، كما خصصت قناة الجزيرة تقريراً مصوراً تناول مسيرة الأكاديمي اللبناني ودوره في مجال العمارة والتراث، بما يعكس أهمية هذا التكريم ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضاً على مستوى إبراز صورة لبنان الثقافية والعلمية في المحافل الدولية.

ويُعدّ البروفيسور خالد تدمري واحداً من الأسماء البارزة في مجال العمارة والترميم والحفاظ على التراث المدني. فهو مهندس معماري وباحث أكاديمي، وأستاذ في كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية، ومشرف على رسائل الدكتوراه في المعهد العالي للدكتوراه، في اختصاص التنظيم المدني. كما ارتبط اسمه بمدينة طرابلس من خلال عمله الطويل في الشأن التراثي والبلدي، إذ ترأس على مدى 21 عاماً لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس، التي انتُخب عضواً في مجلسها لثلاث دورات متتالية، إلى جانب عضويته في اللجنة الوطنية للأونيسكو في لبنان.

وتعود صلة تدمري الأكاديمية بتركيا إلى سنوات دراسته في جامعة معمار سنان في إسطنبول، حيث تخرج عام 1998، قبل أن ينال درجة الماجستير في الترميم المعماري عام 2000، ثم الدكتوراه في التخطيط والحفاظ المدني عام 2004 من الجامعة نفسها. وقد شكّلت هذه التجربة العلمية أساساً لمسار طويل جمع بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني في حماية العمارة التاريخية وترميمها.

وعلى امتداد مسيرته، ساهم تدمري، بالتعاون مع وكالة التنسيق والتعاون التركية “تيكا”، في ترميم وإحياء عدد من المعالم العثمانية في لبنان والعالم العربي. ومن أبرز المشاريع التي ارتبطت باسمه في لبنان: ترميم التكية المولوية وبرج ساعة التل الحميدية وغرفة الأثر النبوي في الجامع المنصوري الكبير في طرابلس، إضافة إلى السبيل الحميدي في حديقة الصنائع في بيروت، والمدرسة الحميدية في مشحا ـ عكار، والجامع الحميدي في مدينة الميناء، والمسجد الحميدي في بلدة بتوراتيج في قضاء الكورة.

ولم يقتصر عمله على الترميم المعماري، بل امتد إلى التأليف والبحث والتوثيق البصري والثقافي، إذ نشر عشرات الكتب والدراسات والأبحاث، ونظم معارض ثقافية وفوتوغرافية مصحوبة بأفلام وثائقية، تناولت التراث الإسلامي والعثماني المشترك في لبنان وتركيا والعالم العربي. ومن خلال هذه الأعمال، ساهم في إعادة قراءة الذاكرة العمرانية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية، لا مجرد شواهد حجرية على حقب تاريخية مضت.

ويكتسب تكريم البروفيسور خالد تدمري في أنقرة أهمية خاصة، لأنه يأتي في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى إعادة الاعتبار لقيمة الثقافة والمعرفة والاختصاص، وإلى إبراز النماذج التي استطاعت أن تجعل من العمل الأكاديمي والتراثي جسراً للتواصل بين الشعوب. كما يشكل هذا التكريم اعترافاً دولياً بمسيرة باحث ومعماري حمل ذاكرة طرابلس ولبنان إلى فضاء أوسع، ونجح في تحويل التراث من مادة أرشيفية إلى مشروع حيّ للحفاظ على الهوية وبناء العلاقات الثقافية بين الدول.

وبذلك، جاء تكريم تدمري تقديراً لمسار كامل يجمع بين العلم والعمارة والذاكرة، ويؤكد أن للمدن، وفي طليعتها طرابلس، أبناء قادرين على نقل تراثها إلى المنابر الدولية، وإثبات أن الثقافة تبقى إحدى أقوى لغات الحضور اللبناني في العالم.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.