بعد مئة عام على الدستور: هل أخطأت المادة 95 في فرضية إلغاء الطائفية السياسية؟

تحلّ مئوية الدستور اللبناني في لحظة تُعدّ من أكثر اللحظات خطورة في تاريخ لبنان الحديث. فالدولة اللبنانية تعيش منذ سنوات أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، فيما يترافق العدوان الإسرائيلي المستمرّ على لبنان منذ عام 2024 مع تصاعد المخاوف من تفكك الدولة وعودة الانقسامات الداخلية الحادّة. وفي ظلّ هذا الواقع، تبدو مناسبة مرور مئة عام على ولادة الدستور اللبناني أبعد ما تكون عن «الاحتفال» بالمعنى التقليدي، وأقرب إلى لحظة مراجعة دستورية وتاريخية شاملة للتجربة اللبنانية بكل تناقضاتها وإخفاقاتها.

وقد ارتبط الدستور اللبناني منذ نشأته سنة 1926 بمسألة تنظيم التوازنات الطائفية وإدارة التعددية المجتمعية، بحيث تحوّل النقاش الدستوري في لبنان بصورة شبه دائمة إلى نقاش حول الصلاحيات والتوازنات بين الطوائف أكثر مما هو نقاش حول الدولة نفسها ووظيفتها الاجتماعية والسياسية. كما أنّ الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990 جرى توصيفها، في جزء أساسي من الخطاب السياسي، باعتبارها أزمة دستورية مرتبطة بكيفية توزيع السلطة داخل النظام الطائفي.

وفي أعقاب اتفاق الطائف، حاول المشرّع الدستوري إعادة صياغة فلسفة النظام اللبناني عبر إدخال معطيين أساسيين: الأول، يتمثل في تكريس هدف «إلغاء الطائفية السياسية» ضمن مقدمة الدستور والمادة 95 المعدّلة، باعتباره هدفاً وطنياً أساسياً يتحقق وفق خطة مرحلية؛ والثاني، يتمثل في إضفاء قيمة دستورية على منظومة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، بما يفترض انتقال الدولة اللبنانية تدريجياً من نظام يقوم على التوازنات الطائفية إلى دولة مواطنين متساوين أمام القانون. وبذلك بدا وكأنّ الدستور اللبناني بعد الطائف يؤسس لمرحلة انتقالية تقود إلى تجاوز النظام الطائفي القائم نحو نموذج سياسي جديد يتراجع فيه دور الانتماءات الطائفية لصالح الانتماء الوطني الجامع. غير أنّ مرور أكثر من ثلاثة عقود على هذا التعديل يفرض طرح سؤال أساسي: هل إنّ فشل تحقيق هذا الهدف يعود فقط إلى ممارسات السلطة السياسية التي عطّلت الدستور، أم أنّ الفرضية التي تقوم عليها المادة 95 نفسها تصطدم بطبيعة المجتمع اللبناني وبنيته التاريخية؟

لا شكّ أنّ النظام السياسي اللبناني بعد عام 1990 ابتعد بصورة واضحة عن متطلبات تحقيق الهدف الدستوري بإلغاء الطائفية السياسية. فالسلطة السياسية لم تعمل فعلياً على بناء دولة مواطنين، بل أعادت إنتاج النظام الطائفي بصورة أكثر زبائنية وحدّة. وقد ظهر ذلك من خلال السيطرة على الوظيفة العامة، وتطييف الإدارة والقضاء، واعتماد قوانين انتخابية عززت نفوذ الزعامات الطائفية، فضلاً عن إضعاف النقابات والهيئات المستقلة وربط المصالح الاجتماعية والاقتصادية بالمحاور الطائفية والسياسية. وبذلك، تحوّل النظام اللبناني إلى نموذج متقدّم في تطييف الدولة والمجتمع بدل أن يكون نموذجاً انتقالياً نحو تجاوز الطائفية السياسية.

إلا أنّ اختزال الأزمة اللبنانية بسوء التطبيق وحده قد لا يكون كافياً لفهم المأزق الدستوري اللبناني. فالمشكلة لا تكمن فقط في امتناع السلطة السياسية عن تنفيذ المادة 95، بل ربما أيضاً في وجود تناقض عميق بين الهدف الدستوري نفسه وبين طبيعة الكيان اللبناني كما تكوّن تاريخياً.

فلبنان، بخلاف العديد من الدول الحديثة، لم يقم على مفهوم الأمة الواحدة المتجانسة، بل نشأ بوصفه إطاراً سياسياً لتعايش جماعات دينية وثقافية متعددة. والطوائف اللبنانية لم تكن يوماً مجرد انتماءات دينية خاصة، بل تحولت عبر التاريخ إلى «عائلات روحية» تمتلك أنظمة أحوال شخصية خاصة بها، ومرجعيات اجتماعية وثقافية مستقلة، ودوراً مباشراً في تكوين السلطة السياسية. ومن هنا، فإنّ الفرد اللبناني لا يمارس وجوده السياسي والاجتماعي فقط بوصفه مواطناً مجرداً، بل أيضاً من خلال انتمائه الجماعي الذي يشكل جزءاً من هويته التاريخية والثقافية.

وفي هذا السياق، يبدو النظام اللبناني أقرب إلى نموذج «الديمقراطية التوافقية» منه إلى نموذج الديمقراطية العددية التقليدية. فالمعادلة اللبنانية لم تُبنَ تاريخياً على منطق الأكثرية والأقلية بالمعنى العددي، بل على منطق الشراكة بين الجماعات ومنع هيمنة إحداها على الأخرى. ولذلك، فإنّ الطائفية السياسية، رغم ما أدّت إليه من فساد ومحاصصة وشلل مؤسساتي، لم تكن فقط أداة لتقاسم السلطة، بل شكّلت أيضاً وسيلة لضمان المشاركة وحماية الجماعات الصغيرة ضمن مجتمع متعدّد.

ومن المفارقات أنّ النظام الدستوري اللبناني نفسه يكرّس هذا الواقع بصورة واضحة. فالقانون المنشئ للمجلس الدستوري لم يكتفِ بإعطاء حق الطعن للسلطات السياسية التقليدية أو لعشرة نواب، بل منح أيضاً لرؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً حق مراجعة المجلس الدستوري في القضايا المرتبطة بحرية المعتقد والأحوال الشخصية. وهذا الأمر يكشف أنّ الطوائف لم تُعامل في النظام اللبناني كظاهرة مؤقتة يُفترض زوالها، بل ككيانات تتمتع بمصلحة دستورية جماعية مستقلة تستحق الحماية القانونية المباشرة.

كما أنّ تطور الفكر الحقوقي الحديث لا يبدو منسجماً بالكامل مع فكرة إزالة الهويات الجماعية لصالح نموذج اندماجي صارم. فالقانون الدولي المعاصر لم يعد يركّز فقط على الحقوق الفردية، بل تطور أيضاً نحو حماية الخصوصيات الثقافية والدينية والإثنية وحقوق الأقليات. ولم تعد التعددية تُعتبر عائقاً أمام بناء الدولة الحديثة، بل أصبحت في العديد من الأنظمة الديمقراطية جزءاً من مفهوم الديمقراطية التعددية نفسها.

ومن هنا، يبرز التساؤل حول مدى واقعية الهدف الذي رسمته المادة 95. فإذا كانت الأنظمة الحديثة نفسها تتجه نحو تكريس التعددية وحماية الجماعات، فهل يمكن فعلاً بناء نظام لبناني يقوم على إلغاء البنية الطائفية بالكامل؟ وهل إنّ المطلوب من لبنان أن يتحول إلى نموذج دولة موحدة ومتجانسة فيما هو قائم أساساً على تعددية تاريخية عميقة؟

إنّ التجارب المقارنة في المجتمعات المركبة تُظهر أنّ الدول المتعددة غالباً ما اتجهت إلى تطوير آليات للتوازن والمشاركة بدل السعي إلى إزالة الانقسامات الجماعية بصورة كاملة. فبلجيكا اعتمدت الفيدرالية والتوازن بين الجماعات اللغوية والثقافية، والبوسنة والهرسك قامت على نظام توافقي بعد الحرب، كما أنّ سويسرا حافظت على توازنات دقيقة بين الجماعات المختلفة بدل محاولة صهرها داخل نموذج موحّد. وهذا يدلّ على أنّ المجتمعات التعددية لا تُدار عادة بمنطق الإلغاء، بل بمنطق تنظيم الاختلاف وضمان التوازنات.

غير أنّ الإقرار بعدم واقعية إلغاء الطائفية السياسية لا يعني تبرير النظام اللبناني بصيغته الحالية أو الدفاع عن ممارسات السلطة السياسية التي استخدمت الطائفية وسيلة للهيمنة والفساد وتعطيل الدولة. فثمّة فرق جوهري بين الاعتراف بالتعددية اللبنانية كواقع اجتماعي ودستوري، وبين تحويل هذه التعددية إلى أداة لتقاسم المغانم وإضعاف مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه الدستور اللبناني، رغم كل أزماته، كأداة استخدمتها القوى الاجتماعية والمدنية لمواجهة السلطة السياسية والدفاع عن الحقوق والحريات. فقد شهد لبنان خلال العقود الماضية محطات عديدة استخدمت فيها النصوص الدستورية والمبادئ الحقوقية لمواجهة الإفلات من العقاب والدفاع عن استقلال القضاء والحقوق الاجتماعية والحريات العامة. كما شكّلت انتفاضة 17 تشرين، رغم تراجعها لاحقاً، تعبيراً واضحاً عن محاولة إعادة توظيف الدستور في مواجهة منطق الزبائنية والطائفية السياسية.

إلّا أنّ هذه المحاولات، على أهميتها، لم تتمكن من تجاوز الحقيقة الأساسية المتمثلة في أنّ المجتمع اللبناني ما يزال قائماً على توازنات جماعية عميقة الجذور، وأنّ الانتماء الطائفي لا يزال يشكل جزءاً أساسياً من البنية السياسية والاجتماعية للكيان اللبناني.

وعليه، قد يكون الخطأ الأساسي في النقاش اللبناني هو افتراض أنّ التقدم السياسي والحضاري يقتضي بالضرورة إزالة الهويات الجماعية وصهر العائلات الروحية داخل نموذج اجتماعي موحّد. فلبنان ليس مجتمع أكثرية تحتضن أقليات هامشية، بل هو في جوهره مجموعة من الأقليات التاريخية التي اختارت العيش المشترك ضمن صيغة دستورية قائمة على الشراكة والتوازن.

ومن هنا، فإنّ تطوير النظام اللبناني لا يبدو ممكناً عبر محاولة الانتقال من نظام طائفي إلى نظام «لا طائفي» بالمفهوم النظري المجرّد، بل عبر بناء نموذج دستوري حديث يحافظ على التعددية اللبنانية وينظمها ضمن دولة قانون فعلية، تمنع الاستغلال السياسي للطوائف وتحمي في الوقت نفسه خصوصيات الجماعات وحقوق الأفراد معاً.

وبعد مئة عام على الدستور اللبناني، ربما لم يعد السؤال الحقيقي: كيف نلغي الطائفية السياسية؟ بل كيف نحول التعددية اللبنانية من مصدر صراع وانقسام إلى إطار دستوري متوازن للعيش المشترك؟ فلبنان لم يقم تاريخياً على الذوبان، بل على اللقاء، ولم يستمر عبر إلغاء جماعاته، بل عبر تنظيم التفاعل بينها. وربما تكون هذه الحقيقة، بكل تعقيداتها، هي المفتاح الأكثر واقعية لفهم أزمة النظام اللبناني ومستقبله.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.