ثقافة التفاهة… عندما يفقد المجتمع احترامه للعقل والحياة

ليست أخطر أزمات الأوطان هي الفقر أو الأزمات الاقتصادية والسياسية فقط، بل أن يفقد المجتمع احترامه للعقل، وأن تختل معاييره فيصبح ما هو سطحي أكثر حضوراً مما هو عميق، وما هو صاخب أكثر تأثيراً مما هو مفيد. التفاهة ليست الترفيه ولا البساطة، فالإنسان يحتاج إلى الفرح والراحة، وإنما التفاهة هي عندما يتحول الفراغ إلى قيمة، والسطحية إلى نجاح، والشهرة إلى غاية بحد ذاتها، ويصبح الإنسان معروفاً بما يثيره لا بما يقدمه.

لقد أنتجت وسائل التواصل الاجتماعي نموذجاً جديداً من الشهرة، حيث أصبح بعض الأشخاص يحصلون على حضور واسع لا بسبب علم أو تجربة أو إنجاز، بل بسبب المظهر والاستعراض وإثارة الجدل. والمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في مجتمع يمنح هذه الظواهر مساحة أكبر من أصحاب الفكر والمعرفة، حتى أصبح عدد المتابعين أحياناً أهم من قيمة الإنسان.

كما ساهم بعض الإعلام في تكريس هذه الثقافة عندما أصبح البحث عن نسب المشاهدة أهم من البحث عن نوعية الرسالة. فبدلاً من أن تكون الشاشة مساحة لنشر المعرفة والنقاش المسؤول، أصبحت أحياناً تبحث عن من يثير الجدل لأنه يجذب الجمهور. وهكذا يتحول الإعلام من وسيلة لبناء الوعي إلى وسيلة لتكريس السطحية.

لكن التفاهة لا تعيش فقط في العالم الافتراضي، بل تسللت إلى الحياة اليومية. فهي ثقافة إضاعة الوقت، عندما تتحول الساعات الطويلة في المقاهي إلى نمط حياة، وعندما تصبح الأحاديث التي لا تنتج فكراً ولا عملاً بديلاً عن التعلم والإنتاج. ليست المشكلة في الأرجيلة أو في اللقاءات الاجتماعية بحد ذاتها، بل في أن يصبح هدر الوقت عادة، ثم يعود الإنسان إلى منزله ليقول لأولاده إن لا فرص ولا مستقبل. إن المجتمع الذي يهدر وقته ثم يلقي مسؤولية فشله على الآخرين يحتاج إلى مراجعة نفسه. فالأمم لا تتقدم لأنها تملك وقتاً أكثر، بل لأنها تعرف قيمة الوقت وكيف تستثمره.

والمفارقة أن أجيالاً سابقة استطاعت أن تحقق إنجازات كبيرة رغم بساطة ظروفها. فقد كانت مدارس القرى اللبنانية في الماضي صفوفاً متواضعة، تجمع أطفالاً من مختلف الأعمار، بإمكانات محدودة، لكنها خرجت كبار القضاة والمحامين والأطباء والأدباء والمفكرين. لم يكن سر النجاح في فخامة المباني أو كثرة الوسائل، بل في احترام العلم، وتقدير المعلم، وإيمان الأهل بأن المعرفة هي الطريق الوحيد لبناء الإنسان.

ولعل من أجمل الصور التي تختصر الفرق بين ثقافة الإنسان وثقافة المظاهر، قصة تُروى عن الرئيس كميل شمعون عندما استقبل أحد رؤساء الدول. فقد اصطحبه ليلاً في جولة قرب المدينة الرياضية، فظن الضيف أن الرئيس يريد أن يريه ضخامة هذا الصرح. إلا أن شمعون أخذه إلى شارع جانبي كانت تنيره أضواء المدينة الرياضية، وهناك رأى عشرات الطلاب يدرسون تحت تلك الإنارة لأن منازلهم كانت تفتقر إلى الكهرباء. لم تكن الرسالة استعراض مبنى أو حجر، بل إظهار ثروة لبنان الحقيقية: الإنسان الذي يتمسك بالعلم رغم صعوبة الظروف. فالأوطان لا تُبنى فقط بما تشيده من منشآت، بل بما تبنيه من عقول.

أما اليوم، فرغم توفر المدارس الحديثة والتكنولوجيا ووسائل المعرفة، فإن التحدي أصبح مختلفاً: لدينا معلومات كثيرة، لكننا نحتاج إلى ثقافة أعمق؛ لدينا وسائل كثيرة، لكننا نحتاج إلى أهداف أكبر. فالمشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة استخدامها.

ومن أخطر مظاهر التفاهة اختلال سلم القيم، عندما يصبح الموت أكثر حضوراً من الحياة، وعندما يُمجَّد العنف والقتل أكثر مما يُمجَّد العلم والعمل والإبداع. فالأمم لا تُقاس فقط بعدد الذين يموتون من أجلها، بل بعدد الذين يعيشون من أجل بنائها. إن الشجاعة الحقيقية ليست في القدرة على التدمير، بل في القدرة على البناء. وليست البطولة في نشر الخوف، بل في صناعة الأمل. فالوطن يحتاج إلى المعلم والطبيب والمهندس والقاضي والعالم والمبدع بقدر حاجته إلى من يحميه في لحظات الخطر. إن المجتمع الذي يمنح المجد لمن يهدم أكثر ممن يبني، ويحتفي بثقافة الموت أكثر من ثقافة الحياة، هو مجتمع فقد جزءاً من بوصلته الحضارية.

وعندما تصل التفاهة إلى السياسة تصبح الخسارة أكبر. فالانتخابات التي يفترض أن تكون وسيلة لاختيار الأكفأ قد تتحول أحياناً إلى إعادة إنتاج للأزمات نفسها. فالديمقراطية لا تنجح بصندوق اقتراع فقط، بل تحتاج إلى مواطن واعٍ يعرف كيف يختار وكيف يحاسب. لكن أخطر مظاهر التفاهة هو الهروب من المسؤولية. الجميع يلقي المسؤولية على الجميع: السياسي يلوم الشعب، والشعب يلوم السياسي، والأهل يحمّلون المدرسة مسؤولية التربية، والمدرسة تلوم الأسرة. وفي النهاية لا أحد يسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلت أنا؟

إن بناء الوطن يبدأ عندما يتحول الإنسان من متفرج على الانهيار إلى شريك في الإصلاح. ولهذا علينا أن نعلن حالة عصيان على أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير؛ عصياناً على الجهل والسخافة واللامبالاة وكل عادة جعلتنا نقبل بما لا يليق بنا. ولبنان، بحكم صغر حجمه، لا يستطيع أن ينافس الدول الكبرى بالمساحة أو الموارد، لكنه يستطيع أن ينافس بما كان دائماً مصدر قوته: الإنسان اللبناني.

إن مشروع لبنان الحقيقي ليس مشروع صراع دائم، بل مشروع ثقافي حضاري يعيد الاعتبار إلى المدرسة والجامعة والكتاب والفن والبحث العلمي. فلبنان كان منارة للشرق وجسراً بين الحضارات، ولم تكن قوته يوماً في حجمه، بل في فكره وثقافته وأبنائه. إن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الأزمات التي تحيط بنا، بل مع الفراغ الذي سمحنا له بأن يتسلل إلى حياتنا. فالأوطان لا تنهض عندما تتغير الوجوه فقط، بل عندما تتغير الثقافة التي تنتج هذه الوجوه.

ومن يريد أن يبني وطناً، عليه أولاً أن يبني الإنسان. لأن الأمم لا تسقط عندما تفقد المال فقط، بل عندما تفقد احترامها للعقل والحياة.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.