الفجوة بين قدراتها والتزاماتها تتّسع: واقع على أصدقاء أميركا إدراكه

عن الصحافة الغربية

كان واضحًا منذ البداية أنّ الإدارة الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب عازمة على إعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية بطرق جوهرية. فقد أعلنت استراتيجية الأمن القومي التي صدرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أنّ «أيام قيام الولايات المتحدة بإسناد النظام العالمي بأسره مثل أطلس قد انتهت»، وهو تحوّل بالغ الأهمية، ولا سيما بالنسبة إلى حلفاء أميركا وشركائها الكثيرين، الذين جعلوا منذ زمن طويل من الاعتماد على الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لأمنهم القومي.

وجاء أحدث تعبير عن النهج الأميركي المتغيّر الأسبوع الماضي، في خطاب وزير الدفاع بيت هيغسيث في سنغافورة أمام جمعٍ من وزراء الدفاع والخبراء، إذ أعلن هيغسيث: «نحن بحاجة إلى شركاء، لا إلى محميّات». وأضاف: «نسعى إلى تحالفات مبنية على المسؤولية المشتركة، لا على التبعية. هذا هو نضج تحالفاتنا في عصر جديد».

يعكس هذا المنحى في التفكير الأميركي، جزئيًا، الرأي السائد على نطاق واسع بأنّ شركاء الولايات المتحدة الأمنيين لم يتحمّلوا، طوال فترة طويلة، نصيبهم العادل من الأعباء. وفي هذا الرأي قدر غير قليل من الحقيقة، إذ إنّ كثيرًا من حلفاء الولايات المتحدة يملكون القدرة الاقتصادية التي تتيح لهم إنفاق المزيد على الدفاع. وما كان يقيّدهم تقليديًا هو السياسة الداخلية، بل وحتى الافتراض بأنّ الولايات المتحدة ستدافع عنهم دائمًا، أيًا تكن الظروف. بيد أن هذا الافتراض لن يكون مقبولًا في واشنطن بعد الآن.

ومن المنطقي أيضًا أن يتحمّل حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها مسؤوليات أكبر في محيطهم الأقرب. فالولايات المتحدة تتحمّل مسؤوليات عالمية فريدة وواسعة النطاق في مسارح متعددة، تشمل أوروبا، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، والشرق الأوسط، ونصف الكرة الغربي. وهذا يشير إلى دافع أميركي أوسع: تضييق الفجوة بين القدرات العسكرية الأميركية والتزاماتها. فهذه الفجوة ستصبح واضحة بسرعة إذا نشأت أكثر من أزمة واحدة في وقت واحد – وهو احتمال ليس افتراضيًا فحسب، بالنظر إلى عدد التهديدات، المحتملة والفعلية، الصادرة عن جهات حكومية وغير حكومية، والتي تواجه الولايات المتحدة وشركاءها الأمنيين.

لكنّ حرب إيران كشفت بالفعل، وبصورة حادة، الفجوة بين القدرات الأميركية والتزاماتها. فالولايات المتحدة لا تفتقر فقط إلى الأنظمة العسكرية المناسبة لهذه اللحظة، بل أيضًا إلى القاعدة التصنيعية التي تمكّنها من إنتاج هذه الأنظمة بسرعة، وبتكلفة منخفضة، وعلى نطاق واسع. هنا، سيكون من الحكمة أن تتعلّم الولايات المتحدة من أوكرانيا، التي برزت كـ«ترسانة ديمقراطية» معاصرة، وباتت تتصدّر العالم في إنتاج الطائرات المسيّرة واستخدامها.

لهذه الأسباب وغيرها، ولا سيما الطبيعة المتقلّبة لسياسة خارجية أميركية لم تعد تنظر إلى الحلفاء بوصفهم أصحاب مكانة مميّزة يستحقون دعمًا ثابتًا لا يتزعزع، بدأ شركاء أميركا التقليديون بإعادة التفكير في استراتيجياتهم الخاصة للأمن القومي. وهم محقّون في ذلك.

بدايةً، ينبغي لهؤلاء الشركاء أن يزيدوا إنفاقهم الدفاعي، لكنّ كيفية الإنفاق أهم من حجمه. فزيادة نسبة الناتج المحلي الإجمالي المخصّصة للدفاع ضرورية، لكنها ليست كافية. فأوروبا تنفق مبالغ كبيرة على العتاد العسكري، غير أنّ الكلّ فيها يبقى أقل من مجموع أجزائه.

ويمكن قول الأمر نفسه عن الدول العربية التي تواجه إيران. أمّا في آسيا، فإنّ نظام التحالف القائم على المركز والأطراف، حيث تقع واشنطن في المركز، يحتاج إلى أن يفسح المجال أمام مقاربة شبكية، يقوم فيها حلفاء الولايات المتحدة بعملٍ أكبر في ما بينهم، وبأداء أدوار متكاملة في ردع العدوان والرد عليه.

يتطلّب التعاون الدفاعي الفعّال أنظمة مصمّمة بما يتناسب مع الظروف الاستراتيجية المحلية، بحيث تعكس الجغرافيا، والقدرات البشرية المتاحة، وقدرات المعتدين المحتملين واستراتيجياتهم، والمساعدة التي يمكن توقّعها بشكل معقول من الخارج. كما يتطلّب أن تكون الحكومات مستعدّة لدمج القوات الدفاعية، بدلًا من تكرارها دولةً بدولة.

يمكن، بل ينبغي، أن يكون تعزيز الاعتماد على الذات عنصرًا من عناصر الحسابات الاستراتيجية، لكنّ الاكتفاء الذاتي نادرًا ما يكون، إن كان أصلًا كذلك، خيارًا واقعيًا. أمّا بناء شراكات جديدة وأعمق، فهو خيار واقعي. ويمكن أن تشمل الشراكات إنتاج المعدات والذخائر، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتخطيط والتدريب للانتشار العسكري المشترك والقتال.

الشركاء الأكثر وضوحًا يمكن العثور عليهم في المناطق المعنية نفسها: اليابان وكوريا الجنوبية مثالان بارزان، وكذلك الدول الأوروبية القلقة من روسيا، ودول الشرق الأوسط القلقة من إيران.

لكن الشراكات لا يجب أن تكون محلية فقط. فالمملكة العربية السعودية تعمل على بناء روابط جديدة مع أوكرانيا للاستفادة من خبرتها الواسعة في تصنيع الطائرات المسيّرة ونشرها. كما تستثمر كوريا الجنوبية في إنتاج الصواريخ في بولندا.

ومن المنطقي أيضًا أن تعيد الدول صياغة علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة بدلًا من رفضها. فلا سبب يدعو إلى السعي وراء الطلاق، بل إنّ كل الأسباب تدعو إلى مقاومته. غير أنّ جعل العلاقة مع الولايات المتحدة قابلة للعمل في أيامنا هذه يتطلّب إعادة تعريف تقسيم العمل، وإعادة التفكير في الأدوار، وإعادة هيكلة ترتيبات القيادة بما يمنح الشركاء تأثيرًا أكبر.

وقد يكون لكل ذلك بُعد دبلوماسي، لمحاولة خفض التوترات مع الخصوم الإقليميين المحتملين أو الفعليين: الصين أو كوريا الشمالية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وروسيا في أوروبا، أو إيران في الشرق الأوسط. لكن ينبغي التعامل مع هؤلاء الخصوم المحتملين أو الفعليين من موقع قوة عسكرية فقط، وهي قوة تتطلّب، كما ذُكر أعلاه، شراكات جديدة وأعمق. أمّا محاولة استرضاء أيٍّ منهم بصورة منفردة، أو في غياب توازن عسكري ملائم، ومن دون ردع فعّال، فستكون ضربًا من التهوّر، أو أمرًا خطيرًا، أو الاثنين معًا.

في عالم لم يعد بالإمكان فيه الاتكال على الولايات المتحدة كما كان الحال في السابق، لا يكون الهدف هو الاستقرار بأي ثمن، بل الاستقرار بشروط تنسجم مع المصالح الوطنية والغربية. بالطبع، هذا هدف قابل للتحقيق، ولكن فقط إذا أدرك أصدقاء الولايات المتحدة الواقع الجديد، وتصرّفوا – فرادى وجماعات – لمواجهة هذا التحدي.

ترجمة بتصرف عن موقع “Project Syndicate”
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.