قد يكون مضيق هرمز نهاية أميركا (عن الصحافة الغربية)

تبدو المقارنة للوهلة الأولى جريئة، وربما صادمة: «فقدان السيطرة على مضيق هرمز قد يكون بالنسبة للولايات المتحدة بمثابة فقدان بريطانيا السيطرة على قناة السويس عام 1956». غير أن هذه العبارة، على اختصارها، تختزن داخلها منطقًا تاريخيًا عميقًا، لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى تلك اللحظة التي لم تُنهِ حربًا بقدر ما أنهت عصرًا بأكمله.

في عام 1956، لم تكن بريطانيا مجرّد دولة قوية، بل كانت إرثًا إمبراطوريًا ممتدًا على قرنين، قوة تحكم البحار، وتفرض عملتها، وتدير شبكة مصالح تمتد من الشرق إلى الغرب. وكانت قناة السويس، في هذا المشهد، أكثر من ممر مائي؛ كانت شريانًا حيًا يختصر معنى السيطرة على التجارة العالمية. من يملك القناة، يملك القدرة على التحكم في تدفقات الاقتصاد الدولي، ومن يسيطر عليها، يمتلك مفتاح النفوذ.

حين قررت مصر تأميم القناة، لم يكن ذلك مجرد إجراء سيادي، بل تحديًا مباشرًا لهذا النظام القائم. ردّت بريطانيا، مدفوعة بمنطق الهيمنة، بعمل عسكري إلى جانب فرنسا وإسرائيل، محاولة استعادة ما اعتبرته حقًا استراتيجيًا. لكن المفاجأة لم تأتِ من ساحة المعركة، بل من خارجها. الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في لحظة نادرة من التلاقي، فرضا وقف العمليات، واضطرت بريطانيا إلى التراجع.

في تلك اللحظة، لم يشهد العالم هزيمة عسكرية بقدر ما شهد انهيار صورة. لم تعد بريطانيا، في أعين العالم، القوة التي لا تُردّ. ومنذ تلك اللحظة، بدأت سلسلة من الانزلاقات: تراجع الجنيه الإسترليني، تباعد الحلفاء، تسارع تفكك الإمبراطورية، وهروب رؤوس الأموال. لم تسقط بريطانيا بسبب القناة، بل بسبب ما مثلته خسارتها: فقدان القدرة على فرض الإرادة.

هذا الدرس التاريخي هو ما يعيد طرح نفسه اليوم، لكن على مسرح مختلف. مضيق هرمز، في زمن الطاقة، ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة حيوية في شبكة الاقتصاد العالمي. عبر هذا المضيق الضيق تمر نسبة ضخمة من إمدادات النفط، ما يجعله أشبه بنقطة اختناق تتحكم بإيقاع الاقتصاد الدولي. أي اضطراب فيه لا يبقى محليًا، بل يتردد صداه في أسعار الطاقة، في المصانع، في الأسواق، وفي السياسات.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التوتر حول هرمز كصراع إقليمي محدود، بل كاختبار لنظام عالمي بأكمله. فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بحجم ترسانتها، بل بقدرتها على حماية طرق التجارة التي يقوم عليها هذا النظام. هناك نمط يتكرر: حين تُتحدى قوة عظمى على ممر حيوي، تتحول المواجهة إلى لحظة حاسمة. إن استطاعت فرض السيطرة، تعززت هيمنتها؛ وإن فشلت، تآكلت الثقة بها، وبدأت رحلة التراجع.

في ضوء هذا المنطق، يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد موقع جغرافي. إنه اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في النظام الدولي. فالمسألة لا تتعلق فقط بإمكانية فتح الممر أو إغلاقه، بل بالرسالة التي يلتقطها العالم من ذلك. هل لا تزال هذه القوة قادرة على فرض قواعد اللعبة، أم أن حدودها بدأت تظهر؟

تعقيد المشهد يزداد حين يُنظر إلى الداخل الأميركي نفسه. فبلد يواجه مستويات غير مسبوقة من الديون، وتحديات اقتصادية متراكمة، وسجلًا عسكريًا مثقلًا بحروب طويلة انتهت دون حسم واضح، يجد نفسه أمام اختبار جديد لا يُقاس فقط بالقوة، بل بالإرادة والقدرة على التحمل. هنا تحديدًا يبرز عامل غالبًا ما يُهمل في الحسابات التقليدية: قدرة المجتمعات على تحمّل كلفة الصراع.

في المقابل، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على منطق مختلف: ليس الحسم السريع، بل الاستنزاف الطويل. إطالة أمد التوتر، رفع كلفته تدريجيًا، وتحويله إلى عبء سياسي واقتصادي. في مثل هذا السيناريو، لا يكون السؤال من يضرب أكثر، بل من يتحمل أكثر.

وهنا تتكشف المفارقة. فالحروب الحديثة لم تعد فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على الزمن. الطرف القادر على الصمود أطول، هو الذي يملك فرصة إعادة تعريف النتائج. هذا ما حدث في تجارب سابقة، من فيتنام إلى أفغانستان، حيث لم يكن التفوق العسكري كافيًا لضمان النتيجة.

من هنا، يصبح مضيق هرمز لحظة اختبار مزدوجة: اختبار للقوة، واختبار للثقة. فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض سيطرتها وضمان تدفق التجارة، فإن ذلك سيعزز موقعها، ويعيد تثبيت ثقة الأسواق والحلفاء. أما إذا تعثرت، فإن التداعيات لن تبقى محصورة في المنطقة، بل ستمتد إلى النظام المالي، إلى مكانة الدولار، إلى شبكة التحالفات، وإلى توازنات القوى العالمية.

في هذا الإطار، لا يبدو السؤال المطروح اليوم مجرد سؤال عن حرب محتملة، بل عن مسار تاريخي أوسع. هل يشهد العالم لحظة إعادة تشكيل، كما شهدها عام 1956؟ وهل يمكن لممر مائي، مهما بدا صغيرًا على الخريطة، أن يتحول إلى نقطة تحوّل في ميزان القوى العالمي؟

التاريخ، كما يظهر، لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد طرح منطقه. الإمبراطوريات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتآكل حين تفقد السيطرة على مفاصل حيوية، وحين تتآكل الثقة بقدرتها على إدارة النظام الذي أنشأته. بين السويس وهرمز، المسافة الجغرافية كبيرة، لكن المسافة في المعنى تبدو أقصر بكثير.

وفي النهاية، قد لا تكون الإجابة في التصريحات السياسية، ولا في الحسابات العسكرية المباشرة، بل في ذلك الإدراك الصامت الذي يتكوّن في عقول الأسواق والدول: هل ما زالت القوة قادرة على فرض قواعدها؟ أم أن العالم بدأ، بهدوء، في البحث عن نظام آخر؟

راي داليو، باحث في تاريخ الإمبراطوريات

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.