تطرح فكرة «قناة سلمان» في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتسم بتصاعد ما يمكن تسميته بحرب المضائق في الشرق الأوسط، حيث تحولت الممرات البحرية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب إلى نقاط ضغط عسكري وسياسي في الصراع الدائر في المنطقة. فمضيق هرمز يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقول بحرًا في العالم، بينما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الحيوي نحو قناة السويس وأوروبا. ومع تصاعد الحرب الدائرة في الخليج وامتداد التوترات إلى البحر الأحمر، أصبحت هذه الممرات عرضة للتهديدات العسكرية والعمليات البحرية والهجمات على السفن التجارية، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الأمن البحري العالمي.
في هذا السياق يظهر مشروع «قناة سلمان» بوصفه محاولة استراتيجية لتجاوز إحدى أكبر نقاط الاختناق في التجارة العالمية. فالقناة المقترحة، التي يُتصوَّر أن تمتد لنحو 950 كيلومترًا عبر الأراضي السعودية بعمق يقارب 25 مترًا وعرض يقارب 150 مترًا، يمكن أن توفر مسارًا بديلاً يربط الخليج مباشرة بالبحر الأحمر دون المرور بمضيق هرمز. وهنا يتجاوز المشروع طابعه الهندسي ليصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل طرق الطاقة والتجارة في زمن الحروب البحرية المتصاعدة.
من حروب الأنابيب إلى مشاريع القنوات – منطق البدائل في الجيوبوليتيك
تاريخ الصراعات الجيوسياسية يظهر أن الدول تلجأ إلى إيجاد بدائل استراتيجية عندما تصبح طرق الطاقة أو التجارة مهددة. فالحروب كثيرًا ما تكون مرتبطة مباشرة بحماية خطوط النقل الحيوية أو إنشاء بدائل لها. ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما حدث في القوقاز في تسعينيات القرن العشرين. فقد خاضت روسيا حرب الشيشان الأولى بين عامي 1994 و1996 جزئيًا لحماية مسار نقل النفط القادم من بحر قزوين عبر الأراضي الشيشانية نحو ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود. وكان هذا المسار يعتمد على خط أنابيب رئيسي يُعرف باسم خط أنابيب باكو–نوفوروسيسك الذي يمر عبر مناطق في الشيشان وداغستان.
وقد حاولت جماعات مسلحة خلال تلك الفترة السيطرة على أجزاء من هذا الخط أو تعطيل عمليات الضخ فيه، وهو ما اعتبرته موسكو تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية في القوقاز، لأن السيطرة على طرق نقل الطاقة كانت تعني عمليًا السيطرة على النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة. لذلك لم يكن الصراع في الشيشان مجرد تمرد داخلي، بل كان أيضًا صراعًا حول السيطرة على ممرات الطاقة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي. هذا المثال يوضح أن حماية طرق النقل أو إيجاد بدائل لها قد تصبح سببًا مباشرًا للحروب أو نتيجة لها في آن واحد.
وفي السياق نفسه يمكن النظر إلى مشروع قناة إسطنبول الذي يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إنشائه كممر مائي موازٍ لمضيق البوسفور. فالمضائق التركية – البوسفور والدردنيل – تخضع لنظام قانوني دولي تنظمه اتفاقية مونترو لعام 1936 التي تحدد قواعد المرور العسكري والبحري في تلك المضائق. وقد سعت أنقرة من خلال طرح فكرة قناة إسطنبول إلى إنشاء ممر مائي جديد خارج القيود القانونية التي تفرضها الاتفاقيات الدولية على المضائق الطبيعية.
ووفق التصورات المطروحة فإن القناة الجديدة يمكن أن تمنح تركيا مرونة أكبر في إدارة حركة الملاحة وربما إعادة تعريف بعض القيود المفروضة على المرور البحري. وهكذا يصبح المشروع التركي مثالًا آخر على سعي الدول إلى إعادة صياغة الجغرافيا الاستراتيجية عندما تصبح القواعد القائمة أو الممرات الطبيعية غير كافية لحماية مصالحها أو لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي.
قناة سلمان وإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة
في ضوء هذه الأمثلة التاريخية، يمكن فهم فكرة «قناة سلمان» بوصفها امتدادًا لمنطق جيوبوليتيكي أوسع يقوم على البحث عن بدائل للممرات الاستراتيجية المهددة. فالتوترات العسكرية المتكررة في الخليج والبحر الأحمر أظهرت هشاشة النظام الجغرافي الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي في نقل الطاقة. إذ يكفي تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب حتى ترتفع أسعار النفط عالميًا وتزداد تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن.
من هنا تبرز فكرة إنشاء ممر مائي جديد يربط الخليج العربي مباشرة بالبحر الأحمر كجزء من محاولة لإعادة توزيع المخاطر الجيوسياسية التي تحكم حركة التجارة العالمية. فالقناة المقترحة لا توفر فقط بديلاً استراتيجيًا عن مضيق هرمز، بل قد تعيد رسم شبكة النقل البحري بين آسيا وأوروبا عبر ربط الخليج مباشرة بالبحر الأحمر ومنه إلى قناة السويس. الكلفة التقديرية للمشروع التي تصل إلى نحو 80 مليار دولار تعكس ضخامة التحدي الهندسي، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم الرهان الاستراتيجي عليه.
غير أن المشروع يواجه تحديات كبيرة، منها التحديات الجغرافية المرتبطة بحفر قناة بطول يقارب ألف كيلومتر عبر مناطق صحراوية، إضافة إلى التحديات البيئية المرتبطة بإدخال المياه المالحة إلى مناطق داخلية واسعة. ومع ذلك فإن ظهور مثل هذه المشاريع يعكس تحولًا أعمق في التفكير الاستراتيجي لدول المنطقة. فالحروب الدائرة حول المضائق البحرية أظهرت أن الجغرافيا لم تعد عنصرًا ثابتًا في المعادلة السياسية، بل أصبحت مجالًا يمكن إعادة تشكيله عبر المشاريع الكبرى.
وفي حال تحقق مشروع قناة سلمان في المستقبل فإنه قد يصبح أحد أهم الممرات البحرية في العالم، أما إذا بقي في إطار التصورات الاستراتيجية فسيظل مؤشرًا على مرحلة تاريخية جديدة تحاول فيها دول الشرق الأوسط تقليل اعتمادها على نقاط الاختناق الجيوسياسية وبناء بنية جغرافية جديدة للتجارة والطاقة في القرن الحادي والعشرين.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
