على وزارات الخارجية في الدول التي تقيم علاقات دافئة مع إسرائيل أن تفهم أن الحملة الصليبية التي تشنها إسرائيل ضد الأونروا وغيرها من المنظمات الدولية والمحلية تأتي في سياق الرغبة والنية لطرد الفلسطينيين من حدود البلد. هذا ليس تنبؤاً، إنما هو تحذير.
في الماضي، كانت إسرائيل معنية بمستوى معقول من الوجود الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني، وكان لمنظمات الإغاثة التي عملت في الأراضي المحتلة سنة 1967 دور مهم في الحفاظ على هذا الوجود. أمَّا اليوم، وإذ تقوم إسرائيل بتدمير الاقتصاد الفلسطيني عمداً، وتستهدف كل أسرة فلسطينية، فمن الطبيعي أن تسعى للتخلص من المنظمات التي ساهمت في صمود هذا المجتمع.
وتؤدي القيادات الفلسطينية – “حماس” من جهة، والسلطة الفلسطينية من جهة أُخرى – دورها على أكمل وجه؛ فهي منشغلة بالحفاظ على ذاتها والتنافس فيما بينها، وليس بمحاولات إيجاد طريق مواجهة جديد، وإبداعي وموحد في مواجهة العدو.
وإن القوى اليهودية التي تدفع نحو تهجير جماعي إضافي تفوق بعددها وقوتها بعشرات المرات أولئك الإسرائيليين-اليهود الذين يحرمهم هذا السيناريو النوم، وتتعاظم في قوتها ودهائها وعبر الوقت والمال اللذين تملكهما، وتتفوق على الأغلبية اللامبالية، الضعيفة، المنغمسة في الاستهلاك، أو تلك التي تكافح لتسديد ديون البقالة.
ونرى ذلك في قطاع غزة، في حرب الإبادة والانتقام التي لا تزال مستمرة، وفي الرفض المنهجي لكبح الجريمة داخل المجتمع العربي في إسرائيل، كما نراه في التناغم التام بين الجيش و”طائفة العقارات المقدسة”؛ أولئك الذين يهاجمون يومياً مواطنين فلسطينيين ويدعون علناً إلى الطرد الكامل. وكما كان مئير كهانا مرشدهم الروحي، فإنهم يقصدون جميع الفلسطينيين بين النهر والبحر.
وفي ما يلي خلاصة للشروط الرئيسية للتهجير “الطوعي” والهجرة القسرية التي تقوم الطغمة الحاكمة بتهيئتها. سنركز على الضفة الغربية فقط، لأن ما يجري في غزة يحتاج إلى معجم خاص به:
- فمن جهة، هناك خنق اقتصادي غير مسبوق، ناتج عن نهب مباشر للإيرادات الفلسطينية، وسلب غير مباشر للأجور ومصادر الرزق، عبر منع وصول العمال الفلسطينيين إلى العمل داخل إسرائيل (مع تشجيعهم في الوقت عينه على العمل في المستوطنات)، والحواجز السادية التي تعطل كل نظام للحياة اليومية، والاقتحامات والاعتداءات العسكرية اليومية التي تسبب دماراً هائلاً في البنى التحتية، وتهجيراً قسرياً لعشرات الآلاف، ومنع الوصول إلى مئات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة. والصمود الفلسطيني هو الهدف، وبمجرد كونه هدفاً، فهو يُعامَل على أنه “إرهاب”. والخوف من المستقبل القريب ينتشر جنباً إلى جنب مع الإفقار العام.
- ومن جهة أُخرى، هناك اعتداءات عنيفة وعلنية ضد تجمعات فلسطينية، وتهجير للآلاف من سكانها. ويُستخدَم “شبيبة التلال” كطُعم؛ إذ يُرسَلون شباناً صغاراً مع ماشية أسيادهم المزارعين إلى داخل القرى الفلسطينية، ويبدي الفلسطينيون ضبط النفس، بل وحتى الشفقة إزاء هؤلاء البائسين المستغَلّين، لكن يكفي أن يُصاب أحد هؤلاء “الأطفال-الجنود” (أو يُدّعى أنه أُصيب ظلماً) حتى ينطلق مُرسِلوهم-مستغِلوهم في تنفيذ مذبحة جديدة، بمساعدة الجيش. ويكفي أن يقدم فلسطيني غاضب ومحبط على الانتقام، و”ينجح” انتقامه لنسمع مرة أُخرى عن سلسلة من المذابح والاعتداءات العسكرية المتزامنة. إنه حلم كل شيخ من شيوخ التلال يسعى إلى الحصول على فيلا له ولجميع أحفاده.
- وإن كثرة منظمات الإغاثة والمساعدات ليست مدعاة فخر لأي دولة؛ فهي دليل على عدم رغبة النظام أو عدم قدرته على ضمان رفاه السكان. وعندما يتعلق الأمر بالنظام العسكري في أراضي 1967، فإن حرية الحركة الواسعة نسبياً التي مُنحت على مدى العقود الماضية إلى الأونروا، وإلى منظمات الإغاثة، ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، كانت تعبيراً عن ثلاثة أوجه في طريقة تفكير المحتل وسلوكه، وهو الذي يرى نفسه “مستنيراً”. وهذا يتمثل في: الاعتراف بكونه قوة احتلال وفق القانون الدولي، وغياب النية بالوفاء بالتزاماته بحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال ورعايتهم، بما في ذلك واجبه بعدم نزع ملكيتهم من أراضيهم، والرغبة في الحفاظ على “هدوء مصطنع”، أي السماح بوجود أنواع عديدة من المنظمات وصمامات الأمان التي توازن بين الهزات والانفجارات الموسمية وبين استمرار الحياة “كالمعتاد”.
- والسماح للفلسطينيين بالعمل داخل إسرائيل وحرية الحركة كانتا من هذه الصمامات، حتى لو خدمتا المصالح الإسرائيلية، وبجهودهم الذاتية، تمكنت آلاف العائلات من بناء أساس اقتصادي، وأرسلت أبناءها إلى التعليم العالي. وقدمت الأونروا خدمات تعليمية وصحية اعتُبرت جيدة لمئات الآلاف، ووفرت فرص عمل متنوعة، وسُمح لمنظمات سياسية محظورة بإقامة مؤسسات اجتماعية علنية في مجالات الصحة، والزراعة، والثقافة، والتعليم، والتمثيل القانوني، ولم تعارض إسرائيل ذلك، بالعكس. وقد قال أحد مديري هذه المنظمات الاجتماعية، والذي يصنَّف اليوم “إرهابياً”: “أنت تفضل أن ننشغل بالمجتمع لا بالسلاح.”
- وكان إنشاء السلطة الفلسطينية تطويراً لهذا المنطق؛ إسرائيل تواصل السيطرة، بينما يتحمل الفلسطينيون والعالم عبء الاحتلال وتكاليفه. أمَّا اليوم، فقد أصبحت كل هذه الصمامات غير ضرورية، لأن الهدف تغيَّر، فهو لم يعد الحفاظ على الهدوء، إنما إثارة انفجارات أمنية، واجتماعية، واقتصادية تشجع الهجرة أو تتيح التهجير بالقوة. والخط الفاصل بين الطرد والقتل الجماعي رفيع إلى حد يكاد لا يُرى، كما علّمنا الجيش في قطاع غزة.
هذا ليس تنبؤاً، إنما صرخة يائسة أُخرى من أجل أن نستيقظ.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
