منذ عدة أشهر، كتبتُ مقالة بعنوان «المستشارون»، انتقدتُ فيها طريقة تعيين المستشارين، البعيدين كلّ البعد عن إبداء الرأي السديد والصحيح. كما كتبتُ عن «الأسماء المخباية»، الذين لا يظهرون كثيرًا في الإعلام، إلا أنهم يتميّزون بالعلم والخبرة والحكمة والرأي السديد في مختلف المجالات السياسية والوطنية والإدارية والاجتماعية والقانونية.
وبالتالي، فإن سوء اختيار المستشارين يؤدّي إلى نتائج سلبية، ويُعرّض القرارات لانتقادات جماعية. فالرأي العام، مهما كان ضعيفًا، لا يجتمع على رأي خاطئ، وإن كان الأديب الكبير سعيد تقي الدين قد قال يومًا، وفي مناسبة معيّنة: «الرأي العام بغل كبير، يصعب عليك جرّ هذا البغل الكبير إلى حظيرة الصواب».
وفي القرى اللبنانية، مثلٌ يردّده سكانها: «ما تقرّب عالقبور، وما تشمّ ريحة الموتى». فلماذا يعرّض المسؤول نفسه لانتقادات شديدة ولإهانات، بسبب مواقف أو قرارات هو في غنى عنها، حتى ولو كانت هذه الإهانات غير صحيحة أو متجنيّة، طالما يستطيع تجنّبها؟ «وشو هالشِدّة يا جدّي»، حتى يتمّ اتخاذ قرارات، وخصوصًا في التعيينات، تؤدّي إلى هذا النوع من الانتقادات الجماعية؟
وما هو المعيار في التعيينات؟ أهي الكفاءة أم الصداقة أم التبعية؟ وهل بات المعيار في التعيينات يتعلّق بكون الشخص المعيَّن ملاحقًا أو غير ملاحق؟ وهل يكفي معيار العلم والكفاءة والخبرة، في ظل وجود شبهات حول الشخص؟ نحن نعلم أن القانون ينصّ على أن الإنسان بريء حتى إثبات العكس، ولكن في ظل وجود شبهات معيّنة وملاحقات بحق شخص ما، ألا يعني تعيينه في أرفع المناصب إشارة إلى براءته أو إيحاءً بذلك؟ وهل خلا الكون من أشخاص كفوئين وغير ملاحقين ليتم تعيينهم في مراكز ومناصب معيّنة؟
قديمًا، كان هناك أشخاص صدرت بحقهم قرارات ظنّية، وكانوا يُحاكمون أمام المحكمة، وقُبلت طلبات ترشّحهم. وهنا كان الخيار إمّا بقبول طلب الترشّح أو برفضه. أمّا أن يتم تعيين أشخاص ملاحقين تلقائيًا، فهذا أمر يدعو إلى التساؤل عن أسباب مثل هذا القرار.
وفي مثل هذه الحالات، كان النائب المرحوم أوغست باخوس يروي لي طرفة مفادها أن مجموعة من الناس كانت تجلس في الشارع، وبينهم حلّاق، ويمرّ أناس آخرون على الطرف الآخر من الشارع. فيقول الحلّاق: هذا آدمي وخواجة، وذاك غير آدمي وسيّئ. وعندما يسأله أصدقاؤه: ما هو المعيار لديك حتى تصنّف الناس؟ فيجيب: هذا يحلق عندنا، وذاك يحلق عند غيرنا.
ونعود فنكرّر أن فخامة الرئيس العماد جوزيف عون رجل دولة بامتياز، يتمتّع بمناقبية عالية وأخلاق رفيعة، وبشجاعة في اتخاذ القرارات الصعبة والمصيرية، وهو، بطبيعة الحال، سيصحّح بعض الأخطاء، لأن من لا يعمل لا يخطئ.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
