التوترات في الخليج وأمن الطاقة العالمي: هل تتحوّل الأزمة الحالية إلى فرصة مستقبلية للبنان؟

تشهد منطقة الخليج تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الأمنية عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت منشآت طاقة رئيسية في عدد من دول المنطقة. وقد أعادت هذه التطورات إلى الواجهة المخاوف القديمة ـ الجديدة المتعلقة باستقرار إمدادات الطاقة العالمية، لا سيما أن منطقة الخليج تمثل أحد الأعمدة الأساسية لمنظومة الطاقة الدولية، سواء من حيث إنتاج النفط أو تصدير الغاز الطبيعي.

ومن المعروف أن خطورة هذه الأحداث لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتطال الأسواق العالمية للطاقة. فمجرد استهداف منشآت حيوية أو تهديد خطوط الإمداد كفيل بإثارة القلق في الأسواق ورفع مستوى المخاطر الجيوسياسية، وهو ما ينعكس عادةً على الأسعار. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات مقلقة، من بينها الحديث عن تفعيل بند «القوة القاهرة» في بعض العقود النفطية في المنطقة، ما يعني عمليًا احتمال تعذّر تنفيذ بعض الالتزامات التعاقدية نتيجة ظروف قاهرة خارجة عن السيطرة، مثل الحروب أو الهجمات على البنية التحتية للطاقة.

إن مثل هذه التطورات، إذا ما استمرت، ستؤدي حتمًا إلى اضطرابات في الإمدادات العالمية، ما دفع، وسيدفع، بأسعار النفط والغاز إلى الارتفاع. فأسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي تهديد في منطقة الخليج، التي تزود العالم بجزء كبير من احتياجاته من النفط والغاز. كما أن ارتفاع المخاطر الأمنية يؤدي عادةً إلى زيادة تكاليف التأمين البحري والنقل، وهو ما ينعكس بدوره على الأسعار النهائية للطاقة.

في مواجهة هذه التحديات، تسعى الدول المستوردة للطاقة إلى البحث عن حلول عاجلة لتأمين احتياجاتها. ومن بين الخيارات المطروحة، زيادة الاستيراد من منتجين خارج منطقة الخليج، مثل الولايات المتحدة أو دول غرب أفريقيا أو بحر الشمال، إضافة إلى تعزيز الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال من مصادر متعددة. كذلك، قد تلجأ بعض الدول إلى استخدام احتياطاتها الاستراتيجية من النفط لتخفيف الضغوط على الأسواق في المدى القصير.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن هذا المشهد الإقليمي المعقّد يحمل في طياته تأثيرات مباشرة وغير مباشرة. فمن جهة، يعتمد لبنان بشكل كامل على استيراد المشتقات النفطية لتلبية حاجاته من الطاقة، ما يعني أن أي ارتفاع في الأسعار العالمية سينعكس تلقائيًا على الاقتصاد الوطني، وعلى كلفة إنتاج الكهرباء والنقل، وبالتالي على كلفة الخدمات. وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي يعانيها البلد، يشكّل ذلك تحديًا إضافيًا للمالية العامة وللقدرة الشرائية للمواطنين.

لكن، من جهة أخرى، قد يحمل هذا الظرف الصعب فرصة مستقبلية للبنان لإعادة التفكير في دوره الإقليمي في قطاع الطاقة. فلبنان يمتلك بنية تحتية تاريخية في هذا المجال تعود إلى منتصف القرن الماضي، يمكن، إذا ما أُعيد تأهيلها، أن تساهم في إعادة وضعه على خريطة الطاقة في شرق البحر المتوسط.

ومن أبرز هذه المقومات مصفاتا النفط في طرابلس والزهراني، اللتان يمكن إعادة تأهيلهما وتشغيلهما لتكرير النفط المستورد أو لتقديم خدمات التخزين وإعادة تصدير المنتجات النفطية. إضافة إلى ذلك، يمكن تطوير خزانات النفط الموجودة في هذين الموقعين لتصبح مراكز تخزين استراتيجية تخدم لبنان وربما بعض الأسواق المجاورة.

كذلك يبرز مشروع خط الغاز العربي كأحد المشاريع الإقليمية التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تعزيز أمن الطاقة في لبنان، إذ يُعد هذا الخط أحد أبرز المشاريع الإقليمية لنقل الغاز من مصر، مرورًا بالأردن وسوريا، وصولًا إلى لبنان. إن إعادة تشغيله وتوسيعه قد يساعد لبنان في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود السائل في توليد الكهرباء.

ولا تقتصر الفرص على ذلك، إذ يمكن إعادة إحياء بعض المشاريع التاريخية التي كانت تربط لبنان بالدول العربية المصدّرة للنفط، ومنها:

  • إحياء خط النفط العراقي إلى مصفاة طرابلس: كان هذا الخط في الماضي أحد أهم خطوط نقل النفط في المنطقة. إن إعادة تأهيله يمكن أن تحوّل طرابلس إلى مركز لتصدير أو تكرير النفط العراقي باتجاه الأسواق الأوروبية والمتوسطية.
  • إعادة إحياء خط النفط السعودي إلى مصفاة الزهراني: إن إعادة تشغيل هذا الخط، في حال توافرت الظروف السياسية المناسبة، من شأنها أن تعزز دور لبنان كممر للطاقة في شرق البحر المتوسط.

إن تفعيل هذه المشاريع لن يساهم فقط في تحسين أمن الطاقة في لبنان، بل قد يوفر أيضًا مصدر دخل إضافيًا للدولة اللبنانية من خلال خدمات النقل والتخزين والتكرير، فضلًا عن خلق فرص عمل وتنشيط قطاعات اقتصادية متعددة.

في النهاية، تشكّل التوترات الحالية في الخليج تهديدًا حقيقيًا لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، لكنها في الوقت نفسه تذكّر الدول بأهمية تنويع مصادر الإمداد وتعزيز البنية التحتية للطاقة. وبالنسبة إلى لبنان، فإن تحويل هذه التحديات إلى فرصة يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية جادة لإعادة الاستثمار في قطاع الطاقة، بما يسمح للبلاد باستعادة جزء من دورها التاريخي كمحور للطاقة في شرق البحر المتوسط.

مقالات الكاتب

كريستينا أبي حيدر

محامية وخبيرة في شؤون الطاقة.