في بداياتها، لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي سوى فكرة بسيطة وذكية خرجت من أروقة الجامعات، هدفها تسهيل التواصل بين الأصدقاء وتبادل الأفكار والمعرفة. كانت مساحة افتراضية تجمع البشر رغم المسافات، وتمنح الجميع فرصة للتعبير والتفاعل بحرية. لكن مع مرور الوقت، وتحول هذه المنصات إلى جزء أساسي من الحياة اليومية، تغيّر وجهها بشكل كبير.
اليوم، أصبحت مواقع التواصل قوة هائلة تتجاوز حدود التواصل الإنساني التقليدي، حتى بات البعض يصفها بـ”الشيطان الصامت” الذي يتحرك وفق غرائز البشر وانفعالاتهم. فالمنصات التي صُممت لتقريب الناس، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات صراع مفتوحة، تُغذّي الكراهية، وتُضخّم الخلافات، وتمنح الصوت الأعلى لمن يثير الجدل أكثر من صاحب الفكر المتزن.
لقد ساهم الانتشار السريع لهذه المنصات في تراجع ما كان يُعرف بـ”ثقافة العيب” أو الحدود الأخلاقية والاجتماعية التي كانت تضبط الخطاب العام. فخلف الشاشات، يشعر كثيرون أنهم بمنأى عن المحاسبة، مما شجّع على التنمر، والتحريض، ونشر الإشاعات، بل وحتى بثّ السموم الفكرية تحت غطاء حرية التعبير.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على الأفراد فقط، بل أصبح أي شخص يمتلك حسابًا أو منصة قادرًا على التأثير في عقول الآلاف، سواء عبر معلومات صحيحة أو مضللة. ومع خوارزميات تبحث عن التفاعل بأي ثمن، أصبح المحتوى الغاضب والمثير للجدل أكثر انتشارًا من المحتوى العاقل والمتوازن، لأن الانفعال يحقق أرباحًا أكبر ويجذب مزيدًا من المتابعين.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار الوجه الآخر لهذه المنصات. فقد كشفت الكثير من القضايا التي كانت مخفية، وساهمت في فضح الفساد، ومنحت أصواتًا جديدة فرصة للظهور، كما قربت ثقافات وشعوبًا من بعضها البعض بطريقة لم تكن ممكنة في السابق.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل المشكلة في التكنولوجيا نفسها أم في الإنسان الذي يستخدمها؟
الحقيقة أن مواقع التواصل لم تصنع الشر أو الكراهية، لكنها منحتها مساحة أوسع وسرعة انتشار غير مسبوقة. فهي أشبه بمرآة ضخمة تعكس ما بداخل المجتمعات، وتضخم كل ما فيها من تناقضات وصراعات وأفكار.
وبين فوائدها وأضرارها، يبقى التحدي الحقيقي في كيفية استخدام هذه المنصات، وفي قدرة الإنسان على الحفاظ على وعيه وأخلاقه وسط عالم رقمي مفتوح لا يعترف بحدود.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
