تُظهر البيانات الواردة من معهد الاقتصاد والسلام (IEP)، عبر مؤشر السلام العالمي (GPI)، مشهداً حزيناً لحجم الموارد التي يلتهمها العنف على مستوى العالم. فمع بلوغ الكلفة الإجمالية للصراعات وانعدام الأمن نحو تسعة عشر تريليون دولار في عام 2024، تتضح أزمة عميقة تتجاوز الأرقام المالية لتُعبّر عن خلل في بنية النظام الدولي، وعن تراجع واضح في الاستثمار بالإنسان والتنمية، مقابل تصاعد هائل في ميزانيات القوة والخوف.
يستحوذ الإنفاق العسكري وحده على تسعة تريليونات دولار، في رقم يعكس سباقَ تسلّحٍ عالميّاً يتسارع عاماً بعد عام. وهذا المستوى من الإنفاق لا يشير فقط إلى صعود التوترات بين القوى الكبرى، بل يعكس أيضاً اعتماد الدول على القوة الصلبة كوسيلة لضمان الأمن، في مقابل تراجع الاستثمار في الدبلوماسية والتنمية والبنى الاجتماعية التي تشكّل الأساس الحقيقي للاستقرار السياسي. وفي الوقت ذاته، ترتفع كلفة الأمن الداخلي إلى 5.7 تريليونات دولار، ما يعني أن الدول باتت تنفق داخلياً على أجهزة الشرطة والمراقبة والسجون بوتيرة قد تلحق بما تنفقه خارجياً على الجيوش، في مؤشر إلى أزمة أمنية مزدوجة: تهديدات قادمة من الخارج، واضطرابات داخلية متنامية.
وتكشف الصورة الإجمالية أن العنف يتغلغل في الاقتصادات والمجتمعات بطرق مباشرة وغير مباشرة. فجرائم القتل وحدها تُكلّف العالم 1.1 تريليون دولار سنوياً، في حين تبتلع الجريمة العنيفة (الاعتداءات الجسدية الخطرة، والقتل، والاغتصاب، والسطو المسلح، والخطف وغيرها) 6.7 تريليونات دولار أخرى، مما يُظهر أن النزاعات ليست وحدها المسؤولة عن نزيف الموارد، بل إن المجتمعات ذاتها باتت ساحات توتر مستمر. أمّا الخسائر الاقتصادية الناتجة عن العنف وما يرافقه من اضطرابات فقد بلغت 4.6 تريليونات دولار، وهي خسائر تفقد الدول فرص النمو والاستثمار وتُضعف إنتاجيتها على المدى الطويل.
ولا تقلّ مأساوية الأرقام المتعلقة بالبشر. فتكلفة النزوح الداخلي واللجوء بلغت 373 مليار دولار، بينما تكلّف السجون ونُظم العقوبات 142 ملياراً، في مشهد يُظهر أن التعامل مع نتائج العنف بات يستنزف الدول بقدر ما يستنزفها العنف نفسه. حتى العمليات الإنسانية والهادفة إلى السلام لا تتجاوز أثراً محدوداً مقارنة بحجم المشكلة، إذ لا يتخطّى الإنفاق العالمي على بناء السلام 30 مليار دولار، بينما لا تتعدّى ميزانيات نزع السلاح وضبط الأسلحة الصغيرة 22 ملياراً، وهي أرقام تبدو هزيلة للغاية أمام النمو الهائل في الأموال الموجّهة للحروب.
وتُبرز هذه المعطيات وجود خلل استراتيجي عالمي، حيث تتوسّع موارد العنف أضعاف الموارد المخصصة لمنع العنف. فالإنفاق على قوات حفظ السلام، على سبيل المثال، لا يتعدّى مليار دولار، وهو رقم شبه رمزي إذا ما قورن بالإنفاق العسكري الذي يصل إلى سبعة آلاف ضعف هذا الرقم تقريباً، مما يكشف أن العالم لا يستثمر بما يكفي في منع الحروب، بل يركّز على إدارتها. والأخطر أن كلفة وفيات النزاعات قد ارتفعت بنسبة 421% منذ عام 2008، ما يعني أن العالم يتجه نحو مزيد من الدم، لا نحو مزيد من الحلول.
إن الأمن الحقيقي لم يعد يُقاس بالدبابات والصواريخ، بل بالقدرة على بناء مجتمعات عادلة، وبخلق اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات، وبامتلاك منظومة سياسية دولية مرنة تحلّ النزاعات قبل انفجارها. أمّا استمرار المسار الآخر فيعني أن العنف سيتحوّل تدريجياً إلى أكبر قطاع اقتصادي في العالم، بينما تتراجع قطاعات التعليم والصحة والبيئة خلف ستار الدخان المتصاعد من ساحات القتال.
وفي لحظة عالمية يشتدّ فيها الاستقطاب، وتتعاظم فيها التحديات الوطنية، من الطاقة إلى الغذاء وصولاً إلى المناخ، تبدو هذه الأرقام كجرس إنذار كبير يذكّر بأن الأمن لا يتحقّق بالردع وحده، وأن مستقبل البشرية يتوقف على إعادة توزيع الموارد من منطق القوة إلى منطق السلام. فالعالم الذي ينفق 19 تريليون دولار على العنف هو عالم يحفر بيديه حفرة أزماته المقبلة، ويصنع بأمواله الكلفة المستقبلية لانهيارات قد لا يستطيع تحمّل تبعاتها.

