التقييمات السوقية الخيالية لشركات الذكاء الاصطناعي

 

الأسبوع الماضي، بلغت القيمة السوقية لشركة تصنيع الشرائح الإلكترونية “إنفيديا” 5 تريليونات دولار. وهي (أي “إنفيديا”) كانت قد أصبحت، قبل ثلاثة أشهر فقط، أول شركة في العالم تصل قيمتها السوقية إلى 4 تريليونات دولار. وفي الأسبوع نفسه، بلغت قيمة “مايكروسوفت” 4 تريليونات دولار، وكذلك الأمر بما يخصّ “آبل”.

ثم على نطاق أصغر، أعلنت كل من “ميتا” و”مايكروسوفت” و”أمازون” و”ألفابيت” نتائجها الفصلية. والأرقام هنا أيضاً كانت هائلة: فقد حققت الشركة الأم لـ”غوغل” أول ربع سنوي تتجاوز فيه إيراداتها 100 مليار دولار. بدورها، سجّلت “أمازون” نمواً مذهلاً في قطاع الحوسبة السحابية لديها، ما أضاف 13% إلى قيمة سهم الشركة. أما “ميتا”، فقد واجهت فاتورة ضريبية مفاجئة بقيمة16  مليار دولار.

والحال أن جميع عمالقة التكنولوجيا، باستثناء “آبل”، قاموا برفع تقديراتهم للإنفاق الرأسمالي، مؤكدين لمستثمريهم نيّة إنفاق مليارات إضافية على البنية التحتية الواقعية التي تقوم عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد أضافت هذه الزيادات عشرات المليارات إلى إجمالي إنفاق يبلغ أصلاً مئات المليارات. فشركة “ألفابيت” بمفردها رفعت تقدير إنفاقها الرأسمالي للسنة المقبلة إلى ما بين91 و93 مليار دولار. وقد حلّ ذلك الرقم محلّ ما أعلنت عنه الشركة أصلاً في شباط/فبراير (75 مليار دولار)، والتعديل اللاحق إلى 85 مليار دولار في تموز/يوليو.

من ناحيتها، لم ترغب “OpenAI”، التي تحوّلت حديثاً إلى شركة ربحية، في أن تتخلّف عن ركب منافسيها المدرجين في سوق البورصة؛ إذ درست هي الأخرى طرحاً أولياً بقيمة تريليون دولار. كما أن الشركة الناشئة الأعلى قيمة في العالم دخلت في معترك إبرام الصفقات، فوقَّعت اتفاقاً مع “إنفيديا” التي تعهّدت في أيلول/سبتمبر باستثمار 100 مليار دولار فيها؛ ومع “مايكروسوفت” التي أبرمت معها اتفاقاً مطلع تشرين الأول/أكتوبر لإنفاق 250  مليار دولار على خدمات “Azure” السحابية؛ ومع “أوراكل” – عملاق الحوسبة السحابية الآخر – لإنفاق 300  مليار دولار عليها، وذلك في أيلول/سبتمبر أيضاً.

ويوم الاثنين، أعلنت الشركة المُنتجة لبرنامج “ChatGPT” اتفاقاً للحصول على خدمات “أمازون” السحابية بقيمة 38 مليار دولار. وبذلك، تكون “OpenAI” قد تعهّدت بإنفاق 588 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

بالعودة إلى “إنفيديا”، فقد تجاوزت قيمتها السوقية اليوم إجمالي الناتج الاقتصادي السنوي لألمانيا في عام 2025 (4.66 تريليون دولار). وبصيغة أخرى، فإن القيمة السوقية للشركة إنما تعادل مرّتين ونصف القيمة السوقية لكل الشركات المدرجة في البورصة الألمانية مجتمعة، والبالغة نحو 2.04 تريليون دولار في عام 2024، وفق بيانات البنك الدولي.

فكيف يمكن لقيمة شركة واحدة أن تساوي قيمة ثالث أكبر اقتصاد في العالم (وهي دولة يبلغ عدد سكانها 83.5 مليون نسمة) الذي يُشكّل الضمانة المالية لقارة بأكملها؟

إن صعوبة استيعاب الأرقام المالية الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب توجيه نقد واضح أو شديد لها. فماذا يمكن أن يُقال أمام انهيارٍ جارف؟ حتى أكثر التحليلات عمقاً تبدو وكأنها ستُسحق تحت وطأة مركز بيانات تبلغ قيمته مليارات الدولارات. إذ تتحدى جميع هذه الأرقام الفهم الإنساني، حيث ليس ثمة في حياة الفرد ما يمكن مقارنته بها.

فكيف يمكن للمرء أن يتخيّل إنفاق 91 مليار دولار؟ إن مجرد التفكير في ذلك يبدو غريباً وغير واقعي. وحتى وصف أرباح شركة “ميتا” بأنها “متباينة” يبدو عجيباً، رغم أنها كذلك بالفعل وفق تقديرات خبراء “وول ستريت”.

لقد أثارت الصفقات الدائرية، البالغة قيمتها مليارات الدولارات، بين الشركات المتصدّرة لهذه الطفرة، مخاوف من قيمة مُبالَغ فيها ونظام مالي هشّ. فإذا انهارت شركة واحدة، قد تتبعها الأخريات، ما قد تنسحب تبعاته على الاقتصاد الأميركي برمّته. واللافت أنه حتى اللحظة، لا تظهر هذه الشركات أيّ علامة على الكفّ عن اندفاعها المشترك.

على الجانب الأكثر شعبوية في هذا النقد، هناك من يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يجد بعد حالة استخدام أساسية فعليّة، باستثناء تسهيل الغشّ في الواجبات المدرسية. فهو لا يستطيع استبدال العمال بشكل فعّال، مهما قام المدراء التنفيذيون بصرف موظفين بحجة اعتماده. وقد خلص باحثون في معهد “MIT” في آب/أغسطس إلى أن نحو 95% من تجارب الذكاء الاصطناعي التجريبية داخل الشركات قد مُنيت بالفشل حتى الآن.

إن المؤشرات المالية لطفرة الذكاء الاصطناعي ضخمة إلى حدّ يعجز العقل عن استيعابها؛ كذلك الأمر بالنسبة لحجمها الرقمي الهائل. فالنماذج اللغوية الكبيرة مثل “ChatGPT” و”Claude Sonnet” وغيرها تعمل جزئياً عبر ما يُعرف بـ”المعلمات”، وهي متغيرات تحدّد كيفية توقُّع النموذج للكلمة التي يجب أن تأتي لاحقاً. وهذه المقابض غير المرئية تُجري تعديلات على الإجابات مئات المليارات من المرات، إذ تشير بعض التقارير إلى أن “GPT-5” قد يستخدم ما يصل إلى تريليون من هذه المعلمات.

تماثل البصمة المادية للذكاء الاصطناعي على العالَم حجم هذه الطفرة المالية. فقد قامت الصحفية دارا كير، إحدى مراسلات قسم التكنولوجيا في صحيفة “الغارديان”، بزيارة مركز تاهو – رينو الصناعي، الذي يضم أكبر مركز بيانات في الولايات المتحدة وعدداً من مراكزه الأصغر حجماً، خلال رحلة ميدانية الأسبوع الماضي. وقد وصفت حجم المجمع العصي على التصديق كما يلي:

“يمتد مركز تاهو – رينو الصناعي من الطريق السريع رقم 80 وصولاً إلى جبال صحراء نيفادا الجافة. ويغطي المجمع عشرات الآلاف من الأفدنة ويضم ما يقرب من 200 شركة، تشمل منشآت للتوزيع واللوجستيات ومراكز بيانات تكنولوجية. من بين هذه الشركات “غوغل” و”مايكروسوفت” و”تيسلا”. وتمتلك بعض الشركات عدة مراكز بيانات، يمتد كل منها على مساحة تعادل عدة ملاعب كرة قدم، في حين تلتفّ هذه المنشآت عبر وديان الصحراء. أما الامتداد الأرضي للمركز، فيشكّل نحو 65% من مساحة المقاطعة. إنه في الواقع ضخم لدرجة تجعل استيعاب حجمه أمراً شبه مستحيل”.

عن صحيفة “الغارديان

بقلم: بليك مونتغومري

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.