بحسب ما أوردته وسائل إعلام غربية، استأنفت روسيا تزويد قاعدة حميميم الجوية بالإمدادات. وقد يكون ذلك في إطار توريد تجهيزات إلى سوريا بناءً على تفاهمات مع القيادة السياسية الجديدة للبلاد، أو استمراراً لدعم الوحدة العسكرية الروسية المحدودة التي ما تزال متمركزة في هذه القاعدة.
فقد نفّذت سفينة الشحن «سبارتا» (ترفع العلم الروسي، وميناء تسجيلها نوفوروسيسك، وتعود ملكيتها لشركة أوبورون لوجيستيكا الروسية، وهي سفينة من نوع رورو «الدخول والخروج بالدحرجة»، أي سفينة مخصّصة لنقل المركبات والآليات العسكرية والمدنية التي تصعد إلى متنها وتغادره عبر منحدرات خاصة دون الحاجة إلى الرافعات، وتبلغ حمولتها نحو 8.8 آلاف طن) رحلة بحرية بين ميناء بالتييسك وميناء طرطوس خلال شهري نيسان وأيار. ويُشار إلى أن هذه العملية الخاصة بإعادة ملء مخازن قاعدة حميميم تُعدّ الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد.
وتُدرج السفينة على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية باعتبارها ناقلة للشحنات العسكرية الروسية. غير أنّ هذه العقوبات تُعدّ «مخففة»، إذ تقتصر على حظر دخولها إلى الموانئ الأمريكية والأوروبية. ومع ذلك، رافقتها في الجزء الأخير من رحلتها السفينة الحربية الروسية «ستويكي» من فئة الكورفيت، وهي سفينة حربية صغيرة إلى متوسطة الحجم مخصّصة لحماية السواحل ومرافقة السفن والقيام بمهام مكافحة الغواصات والدفاع البحري. كما وفّرت لها أثناء عملية التفريغ حماية إضافية الفرقاطة الروسية «الأميرال كاساتونوف»، وهي سفينة حربية أكبر حجماً وأقوى تسليحاً من الكورفيت، وقادرة على تنفيذ عمليات بحرية بعيدة المدى والدفاع الجوي ومكافحة الغواصات والسفن المعادية.
وبحسب معلومات غير رسمية صادرة عن أجهزة الاستخبارات الأمريكية، كانت حمولة سفينة «سبارتا» عبارة عن معدات ومواد مخصّصة لقاعدة حميميم الجوية. وقد جرت العادة أن تُزوّد هذه القاعدة بحراً عبر ميناء طرطوس، نظراً إلى محدودية القدرة على نقل الإمدادات جواً. وكان في طرطوس يتمركز مركز الدعم المادي والتقني رقم 720 التابع للبحرية الروسية، والذي يُعدّ ثاني أهم منشأة عسكرية روسية في سوريا بعد قاعدة حميميم.
أما الوضع القانوني الحالي لميناء طرطوس فما يزال غير واضح تماماً. فبحسب المعلومات المتداولة، قامت دمشق قبل نحو عام بإسناد إدارة الميناء إلى شركة إماراتية، بعد إنهاء الاتفاق مع شركة إس تي جي إنجينيرينغ الروسية. وكان ميناء طرطوس ميناءً للاستخدام المشترك، إذ تتمركز فيه أيضاً اللواء الثالث والستون التابع للبحرية السورية. لكن طبيعة الوجود الحالي لمركز الدعم المادي والتقني الروسي رقم 720 وحقوقه القانونية ما تزال غير معروفة بدقة.
والأمر نفسه ينطبق على قاعدة حميميم. فمن جهة، ترى وكالة البحوث الدفاعية السويدية أن موسكو نجحت في إقناع دمشق بالسماح لها بالاحتفاظ بالسيطرة على قواعدها العسكرية. ومن جهة أخرى، يمتلك السوريون خططهم الخاصة لاستثمار هذه المنشآت. كما أنّ دمشق لا زالت لا تسيطر على كامل الأراضي السورية، إذ تتعرض القاعدة بين الحين والآخر لقصف من جهات مختلفة.
ومن الواضح أن قنوات للتواصل والتنسيق ما تزال قائمة بين موسكو ودمشق، كما يبدو أن لقاءات القمة الروسية – السورية أسفرت عن تفاهمات عامة بين الطرفين. غير أن هذه التفاهمات ما تزال فضفاضة وغير محددة المعالم، فيما يواصل العسكريون والدبلوماسيون الروس اختبار حدودها العملية ورسم تفاصيلها الفعلية.
وقد تعززت مؤشرات تحسن العلاقات الروسية – السورية مؤخراً، وكان من أبرزها إعادة دمشق طائرة النقل العسكرية «إيل–76» إلى السلطات السورية، وهي طائرة نقل إستراتيجي ثقيلة تُستخدم لنقل الجنود والمعدات والآليات العسكرية لمسافات بعيدة، وكانت الطائرة التي استخدمها بشار الأسد في تنقلاته. ومع ذلك، لا يبدو أن الولايات المتحدة تنظر إلى هذا التقارب بقلق كبير في الوقت الراهن، إذ يُعتقد أن قاعدتي طرطوس وحميميم تقعان بعيداً نسبياً عن مناطق الاهتمام الأمريكية المباشرة داخل سوريا. لكن وجود إسرائيل، الحليف الرئيسي لواشنطن في المنطقة، على مقربة من الساحة السورية يجعل المعادلات قابلة للتبدل بسرعة. فإذا ما اندلعت أزمة جديدة في المنطقة، فقد تجد القوات الروسية نفسها مضطرة للتعامل مع تداعياتها.
وعلى أي حال، يبدو أن موسكو، رغم التكاليف والمخاطر المرتفعة، لا تستطيع أن تسمح لنفسها بالانسحاب الكامل من سوريا. فمثل هذا الانسحاب سيؤدي إلى تراجع كبير في قدرة روسيا على دعم الفيلق الأفريقي الروسي المنتشر في عدد من الدول الأفريقية، والذي يُعدّ أحد أدوات النفوذ الروسي في القارة بعد تراجع دور مجموعة فاغنر. ونتيجة لذلك قد تتعرض شبكة النفوذ الروسي في أفريقيا إلى تآكل واسع النطاق. ورغم أن الجدوى العملية المباشرة لهذا النفوذ تبدو محدودة في الظروف الحالية، فإن أهميته السياسية والرمزية بالنسبة للكرملين ما تزال كبيرة، وربما تفوق في الوقت الراهن أي اعتبارات أخرى.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
