يتميّز البحر الأبيض المتوسّط بخصوصيّةٍ قانونيّةٍ فريدة؛ فعلى عكس المحيطات الشاسعة التي تتضمّن مساحاتٍ واسعةً من أعالي البحار، تكاد مياهه تُقسَّم بالكامل بين الدول المطلة عليه. فجزءٌ منه يخضع للسيادة الوطنية المباشرة في إطار البحار الإقليميّة (نحو 12 ميلاً بحريّاً)، فيما تبسط الدول سلطاتها الاقتصادية على مناطق أوسع تُعرف بالمناطق الاقتصادية الخالصة، حيث تملك حقوقاً في استغلال الموارد الطبيعية دون سيادةٍ كاملة.
ونظراً لضيق البحر وتداخل سواحله، لا تكاد تتبقى فيه مناطق تُصنَّف كأعالي البحار، ما يجعله بحراً بين السيادة الوطنية والمناطق الاقتصادية، بلا فراغٍ دوليٍّ مستقل كما هو الحال في المحيطات.
فجوة الحماية بين النص والتنفيذ
رغم أنّ البحر المتوسّط لا يُصنَّف ضمن أعالي البحار بموجب معاهدة الأمم المتحدة لحفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج نطاق السيادة الوطنية (BBNJ)، إذ تقع جميع مياهه ضمن السيادة الوطنية للدول المشاطئة أو مناطقها الاقتصادية الخاصة، فإن المبادئ والأدوات العلمية التي تروّج لها المعاهدة تظلّ ذات أهميةٍ بالغة.
فإدارة المخزونات السمكية وتحديد المناطق البحرية ذات الأهمية البيئية يمكن أن يستفيدا من نماذج توزيع الأنواع والتقييمات البيئية الصارمة، بما يُعزّز حماية التنوع البيولوجي والاستدامة البيئية في البحر المتوسّط، ويُتيح تحقيق توازنٍ أفضل بين المصالح الاقتصادية والبيئية للدول المشاطئة والمجتمعات الساحلية.
ويشهد البحر المتوسّط هشاشةً بيئيةً واضحةً وحاجةً ملحّةً إلى تعزيز الحماية. ووفقًا لتقرير الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، تبلغ نسبة المحميات البحرية المعلَنة في المتوسّط نحو9.68% من مساحته، لكن من بينها فقط1.27% تُدار فعليّاً بخطة تنفيذٍ فعّالة. كما توجد في المتوسّط أكثر من 1000 محمية بحرية معلَنة تغطي نحو6.5% من المسطح البحري، غير أنّ76 محمية فقط تتمتّع بدرجة حمايةٍ كاملة، تغطي ما لا يتجاوز0.04% من مساحة البحر.
هذه الفجوة بين الإعلان والتنفيذ تُشكّل تحدّياً يوميّاً على الضفة المتوسّطية، وتُظهر أن مجرد إعلان مناطق محمية لا يكفي؛ فالتنفيذ والمراقبة هما الأساس.
وكما أنّ المنظمة الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك (ORGP) تبقى السلطة المخوَّلة بإدارة مصايد الأسماك في مختلف أنحاء العالم، فإن معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار (BBNJ) لا تُعوضها، بل صُمّمت لتُكملها.
وفي البحر المتوسّط تحديداً، يمكن للمعاهدة أن تسهم في إرساء أدوات إدارة مكانية تتقاطع مع المناطق التي تُديرها بالفعل هذه المنظمات. فعلى سبيل المثال، إذا أنشأت المعاهدة منطقةً بحريةً محمية (AMP) ضمن نطاق صيد الميرلو الأوروبي (Merluccius)، فستواصل الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM) إدارة الحصص وجهود الصيد، غير أنّ الاتفاقية قد تفرض حمايةً أكثر صرامة، مثل منع الصيد في مناطق حضانة الأسماك.
معاهدة أعالي البحار: منارةٌ تتجاوز المحيطات
إن التفعيلَ الدوليَّ لمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار بشأن حفظ التنوع البيولوجي البحري واستخدامه المستدام في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية (BBNJ)، وهي صكٌّ دوليٌّ مُلزِم قانونياً، يحمل دلالاتٍ مهمّةً للضفة المتوسطيّة. فالمتوسّط غارقٌ في تفاعلاتٍ بيئيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ متشابكةٍ مع المحيطات، وإذا ما نجحت المعاهدة في تجاوز عوائق حوكمة المحيطات، فإنّ المكاسب المتحقّقة منها يمكن أن تُستلهَم لتحسين إدارة البحر المتوسّط، ولا سيّما في مجالات حماية التنوع، وتقييم التأثيرات البحرية العابرة، ودعم قدرات الدول الأقلّ موارد.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى البحر المتوسّط بوصفه جسراً بين عالمٍ مائيٍّ مغلقٍ تحكمه الولايات الوطنية، وعالمٍ مفتوحٍ للمحيطات. فما يجري في أعالي البحار – من صيدٍ عميقٍ أو استغلالٍ معدنيٍّ – ينعكس حتماً على التوازن البيئي والنظم الحيوية التي تربط المتوسّط بالمحيط الأطلسي.
تبرز معاهدة أعالي البحار كإشارةٍ دوليةٍ قوية، إذ تضع معايير إلزامية لحماية التنوع البحري، وتفرض أدواتٍ دقيقة لتقييم الأثر البيئي، وتشجّع على إنشاء محمياتٍ بحريةٍ فعّالة. وقد احتفل قادةُ العالم بهذا الإنجاز التاريخي في نيويورك، معتبرين أنّ حماية نصف كوكب الأرض أصبحت ممكنةً قانونياً.
أما بالنسبة إلى البحر المتوسّط، الذي تقع معظم مياهه ضمن سيادة الدول المشاطئة، فإنّ المعاهدة تشكّل منارةً توجيهيةً وقوةَ ضغطٍ دولية يمكن أن تستلهمها الضفة المتوسّطية لتحسين إدارة التنوع البيولوجي، وتقييم التأثيرات العابرة، وتعزيز قدرات الدول الأقلّ موارد على حماية بيئتها البحرية.
النماذج المتوسّطية: بين الواقع والطموح
إذا أخذنا مثال سمك الدنيس الوردي (Pagellus bogaraveo)، وهو نوعٌ تجاريٌّ مرغوبٌ في الساحلين المغربي والإسباني ضمن بحر البوران، نجد أنّ الهيئة العامة لمصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط (GFCM) قد تبنّت خطةَ إدارةٍ متعددةَ السنوات لضبط الصيد وضمان استدامة النوع. وقد أظهر بحثٌ حديثٌ إمكانَ دمج البيانات البيئية وبيانات المصايد لتحديد المناطق التي يُستحسن حمايتها مكانيّاً للحدّ من الإفراط في الصيد.
كما تتطور إدارةُ المخزونات السمكية للأنواع الهشّة من خلال اعتماد آليات تقييم استراتيجيات الإدارة (MSE) التي تُحدَّد بموجبها الحصص بناءً على الأسس العلمية. ويُتوقَّع أن تعتمد الهيئةُ خلال هذا العام آليةَ التقييم (MSE) في إدارة صيد سمك الباغط (الدنيس الوردي).
تمثّل هذه التجربة نموذجاً متوسّطيّاً واعداً يمكن أن يزدهر إذا ما رافقته معاييرُ عالميةٌ محفِّزةٌ كتلك التي أرستها معاهدة أعالي البحار، إذ تؤكّد أن الإدارة المكانية المدروسة والمستندة إلى الأدلة العلمية يمكن أن تصبح محوراً رئيسياً في حماية التنوع البيولوجي البحري بالمتوسط، وتشكل قاعدةً صلبةً لوضع سياسات صيدٍ مستدامة، وربط جهود حماية أعالي البحار بالمصالح المحلية في المناطق الساحلية، بما يحقّق الاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية معاً.
منارة للتوجيه لا للمراقبة
إذاً، ورغم أنّ المعاهدة لا تُطبّق مباشرةً على مياه البحر المتوسّط، فإنها تمثّل منارةً توجيهيةً وقوةَ دفعٍ دولية قادرةً على إعادة ترتيب أولويات الضفة المتوسّطية: من تقييم الأثر البيئي، إلى حمايةٍ شاملةٍ وربط المحميات البحرية، وصولاً إلى بناء القدرات وتبادل المعرفة. فالمعاهدة ليست هدفاً بعيداً، بل فرصةٌ تدفع البحر المتوسّط ليكون فاعلاً أساسياً في التشابك البحري العالمي، لا مجردَ ساحلٍ يراقب من بعيد ما يجري في المحيطات.
صوت الخبراء: تحذيرٌ وأمل
أفاد السيّد أنيول إستيبان، مدير مؤسّسة ماريلِس (Fondation Marilles)، بأنّ البحر الأبيض المتوسّط يحتضن نحو 11% من الأنواع البحرية المعروفة في العالم، رغم أنه لا يمثّل سوى 0.3% من حجم المحيطات. غير أنّ هذه الثروة الطبيعية مهدَّدة بغياب التحرك الكافي، مما يُنذر بخسارةٍ بيئيةٍ خطيرة ستزيد من هشاشة منطقةٍ تعيش أصلاً على وقع أزماتٍ متعدّدة، وتُقلّل من قدرتنا على مواجهة تداعيات التغيّر المناخي.
وأضاف قائلاً: “إنّ معظم المخزونات السمكية في المتوسّط تعاني من الاستغلال المفرط، فيما اختفت أنواعٌ بارزة مثل سمك المنشار وأسماك القرش المطرقة، أو هي على وشك الانقراض. كما أنّ الضغوط الناتجة عن السياحة والنقل البحري تتزايد باستمرار، بينما ترتفع حرارة مياه المتوسّط بوتيرةٍ مضاعفة مقارنةً بباقي المحيطات”.
ورغم هذه الصورة القاتمة، أكّد إستيبان أنّ هناك بوادر أملٍ حقيقية.
فمخزون التونة الحمراء يتعافى بعد أن كان قبل عقدٍ مهدَّداً بالانقراض، وفي مناطق محمية مثل خليج غوكوفا في تركيا – الذي كان شبه خاوٍ – عادت الحياة تزدهر فيه من جديد، بما في ذلك فقمة الراهب وأسماك القرش الرمادية.
كما تُظهر أساطيل الصيد المبتكرة في جزر البليار أنّ الصيد الأقل يمكن أن يُحقّق أرباحاً أكبر.
أما منظمات المجتمع المدني، فقد أصبحت أكثر تنظيماً ضمن تحالفاتٍ وائتلافاتٍ تعمل بجدٍّ من أجل استعادة المخزونات السمكية، وتوسيع المساحات البحرية المحمية، وإحياء البحر المتوسّط. ذلك أنّ تشخيص الوضع والحلول بات واضحاً: “نحتاج إلى زيادة وتجويد المناطق البحرية المحمية لتغطي 30% من مياهنا، مع إغلاق واحد من كل عشرة كيلومترات مربعة أمام الصيد وكافة الأنشطة الاستخراجية. كما يجب تحويل قطاع الصيد إلى نشاطٍ مستدامٍ منخفض الأثر، وتنفيذ خطط عملٍ لحماية الأعشاب البحرية مثل البوسيدونيا والموائل المرجانية، وتقليص الضغوط المتنامية على المتوسّط. والأهمّ، رفع الاستثمارات في مجال الحفاظ على البحار؛ إذ يمكن أن يساهم تخصيص 1% من الميزانيات الوطنية، مع دعم القطاع الخاص، في إعادة الحياة إلى البحر على نحوٍ كبير”.
وأشار السيّد إستيبان إلى أنّ ازدهار منطقة المتوسّط وسكّانها وقطاعاتها الحيوية، كالسياحة والصيد، رهينٌ برأسمالٍ طبيعيٍّ سليم. فاستعادة المتوسّط إلى حالةٍ ممتازةٍ من الحفظ هي الضمانة الأفضل لمستقبل تدفّقات السلع والخدمات التي يوفّرها.
باختصار، يشكّل البحر الأبيض المتوسّط مرآةً للمحيطات، وإنْ كان محكوماً بالسيادات الوطنية. فهو مختبرٌ صغير للتوازن بين المصالح الاقتصادية والبيئية، وبين السيادة الوطنية والمسؤولية العالمية. إنّ حماية المتوسّط ليست شأناً محلّياً فحسب، بل رسالةٌ كونيةٌ تؤكد أنّ الحفاظ على ثروات البحر هو الضمانة الحقيقية لازدهار الإنسان والطبيعة معاً.

محمد التفراوتي
كاتب وإعلامي بيئي مغربي، ناشط في مجال البيئة والتنمية المستدامة. يشغل منصب رئيس مركز آفاق بيئية للإعلام والتنمية المستدامة ويدير مدوّنة "آفاق بيئية"
