في لبنان يسير كلُّ شيء بخلافِ الطبيعة ومنطقِ الأشياء؛ ففي الوقت الذي ترسم فيه الدول سياستها الداخلية والخارجية وفق مصالحها، من خلال قراءةٍ رصينة لديناميكيات البيئة الداخلية والخارجية، وتتشارك فيه المؤسسات وتتعاون لصيانة الاستقرار وتحقيق رؤية الدولة، يتبدّى أن لبنان يسير بعكس هذا المنطق. إذ ثمّة تداخل بين سياسة الدولة بصفتها الكيان الشرعي الذي يعبّر عن المصلحة الوطنية، وبين سياسة أقطاب وأحزاب تقارب الأمور وفق تشعّبات وعلاقات تتجاوز الدولة ومنطقها.
ما يحدث من حولنا يعطي مؤشرات واضحة لمسار التحوّلات في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الأمر الذي أعاد رسم خطوط التوازنات الإقليمية والدولية. غير أنّ الأطراف اللبنانية عاجزة عن فهم خطورة تلك التحوّلات؛ فالسلطة لم تطوّر بعدُ رؤية استراتيجية تتوافق مع الواقع الجديد، بينما يستمرّ “حزب الله” في الخطاب نفسه، وسط صعوبة بنيوية في تعديل حساباته السياسية والاستراتيجية بما يتوافق مع هذا التحوّل الإقليمي الكبير.
إنها تحوّلات جيوبوليتية حاسمة لها دلالاتها، تغيّرت بفعلها موازين القوى داخل سوريا وخارجها، حيث تلقّى الرئيس ترامب إشارات عدّة من الحلفاء الإقليميين، ولا سيما السعودية وتركيا، بضرورة إعادة التفكير في استراتيجيته تجاه دمشق. فقام بلقاء الشرع في الرياض يوم 14 مايو/أيار 2025، في أول لقاء رسمي بين رئيس أميركي ورئيس سوري منذ عقود.
ويُعدّ الجيوبوليتك أداة مهمة لفهم العلاقات الدولية، وقد أكّد المفكّر الاستراتيجي الفرنسي جيرار شاليان ضرورة الجمع بين “الاستراتيجية والجيوبوليتك بهدف تجنّب الشطط الأيديولوجي عند اتخاذ القرارات المصيرية”. فالجيوبوليتك هو الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات الدولية، وهي بدورها تشكّل الإطار الذي تظهر فيه نتائج التحوّلات الجيوبوليتية.
فالتحوّلات السورية لم تقتصر على تقلّص النفوذين الإيراني والروسي فحسب، بل نشهد من خلالها صعود أدوار جديدة تطرح تنافسات معقّدة بين خصوم وحلفاء واشنطن على السواء. فقد باتت تركيا وإسرائيل تتنافسان بشكل مباشر حول سوريا سياسيًا وأمنيًا، خصوصًا في مناطق نفوذ استراتيجية وفق تعريف كل دولة.
وبحسب عدد من المحلّلين، فإن الموقف التركي تجاه سوريا يشكّل إزعاجًا لإسرائيل. فتركيا، من جهتها، تراقب الموقف الإسرائيلي لناحية دعم الأكراد في شمال سوريا، إذ تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، في وقت لا يُغفل فيه الطرفان أهمية السيطرة على خطوط نقل الطاقة والممرات الحيوية، التي قد تسبّب نزاعًا بين جميع الأطراف الفاعلة داخل الجغرافيا السورية.
فيما تبدو إدارة ترامب، وفق تقارير صحفية، على خلاف مع إسرائيل بشأن كيفية التعامل مع التحوّلات السورية، استنادًا إلى عقيدة أمنية إسرائيلية ترفض قيام دولة سورية موحّدة ومستقرة. فواشنطن تفضّل التركيز على إعادة دمج السلطة الانتقالية في النظامين الدولي والإقليمي، وتوظيف التحوّلات لصالح حماية مصالحها التقليدية في المنطقة. هذا التباين في التوجّهات أوجد خلافًا أميركيًا – إسرائيليًا حول تعريض الاستقرار السوري للخطر.
ومن نافل القول إن الفشل اللبناني في قراءة كل هذه التطوّرات يقلّل من قدرة الحكومة والعهد على استيعاب الفرص والتهديدات الناجمة عن التغييرات الإقليمية والدولية، بما في ذلك تحوّلات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، التي تجلّت بسلوك براغماتي تجاه الرئيس أحمد الشرع، الذي أصبح جزءًا من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، فضلًا عن محاولات احتواء إيران في شرق المتوسط. وهكذا يبقى لبنان أسير آليات سياسية تجاوزتها الأحداث، في حين تتشكّل في الإقليم قواعد لعبة جديدة فرضتها رغبة واشنطن في إعادة هيكلة المنطقة، ما يضعنا أمام تحديات تفوق قدراتنا وتعيق سعي الدولة لاسترداد الثقة بها وتحقيق استقرار داخلي مستدام.
في ضوء ما سبق، يصبح واضحًا أن طرفَي اللعبة الداخلية في لبنان يقفان على هامش المشهد الإقليمي المتسارع في التبدّل، في ظلّ عجز عن استشراف المستقبل، بينما تعيد “سوريا الجديدة” ترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية بعد انفتاح عربي ودولي على قيادتها، تمثّل في زيارات حاسمة إلى عواصم القرار.
لذا فإن الاستمرار في تجاهل ما يحدث من حولنا قد يفقدنا الفرصة تلو الأخرى، ويزيد من عزلتنا التي أصبحت واقعًا. وهذا التحدّي يفرض على الدولة اللبنانية ضرورة تطوير رؤية جيوسياسية مغايرة لما هو قائم، تساعدها على استيعاب ما يحدث في المنطقة، لحجز موقع فاعل لها في لعبة التوازنات الجديدة، بدل التلهّي بقشور سياسية ومناكفات لا تليق بدولة مثل لبنان.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
