إيران واختبار الإرادات: هل التراجع أفضل خيارات ترامب؟

عن الصحافة الغربية

خلال عطلة نهاية الأسبوع، فشلت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق في باكستان لإنهاء الحرب بينهما. للوهلة الأولى، تبدو الهوة بين الطرفين شاسعة. فالولايات المتحدة تريد من إيران فتح مضيق هرمز، وقبول قيود كبيرة على برنامجها النووي، والحد من ترسانتها الصاروخية، وتقليص دعمها لوكلائها مثل ميليشيا حزب الله اللبنانية. أما إيران، من جهتها، فتسعى إلى الاحتفاظ بقدرتها على استثمار سيطرتها على المضيق، والحصول على رفع كامل للعقوبات (بما في ذلك الإفراج عن أصولها المجمّدة)، ووقف إطلاق النار في لبنان، والأهم من ذلك، ضمانات دائمة بعدم استئناف الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضدها.

اكتسبت المحادثات طابعًا عاجلًا غير مسبوق، جزئيًا لأن إيران اكتشفت ورقة قوة جديدة: قدرتها الفعلية على إغلاق مضيق هرمز. بل إن هذا الخيار أثبت فاعلية كبيرة في خلق نفوذ تفاوضي، إلى حد أن دونالد ترامب أعلن في 13 نيسان حصارًا مضادًا، متعهدًا بمنع أي سفن تتعامل مع الموانئ الإيرانية من دخول المضيق أو الخروج منه. وسيُقاس نجاح هذا الحصار المضاد بقدرة إيران على تحمّل الألم الاقتصادي قصير الأمد أكثر من الولايات المتحدة.

ورغم التباعد الظاهر بين موقفي واشنطن وطهران، فإن إنهاء الحرب يصب في مصلحة الطرفين. فقد ألحقت الولايات المتحدة أضرارًا جسيمة بالاقتصاد العالمي مقابل مكاسب محدودة، فيما تعرّضت البنية التحتية العسكرية والمدنية في إيران لضرر كبير، وقُتل آلاف الإيرانيين، كما ضحّت إيران بعلاقاتها مع جيرانها في الخليج للبقاء في مواجهة الهجوم الأميركي-الإسرائيلي.

ومع دخول واشنطن وطهران مرحلة جديدة وخطيرة من الصراع، ستضطر الولايات المتحدة إلى التعامل مع نظام إيراني متحوّل. فرغم صموده حتى الآن، يواجه هذا النظام مشكلات بنيوية ويدخل مراحل أولية من انتقال داخلي. وبالتالي، فإن مصير المفاوضات سيعتمد على كيفية تعامل ترامب مع التغيرات السياسية الداخلية في إيران، وما إذا كانت توقعاته لما يمكن تحقيقه تتطابق مع الواقع الإيراني. على المدى القصير، يحتاج ترامب إلى مرونة تكتيكية لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من التنازلات مع إبقاء المضيق مفتوحًا. أما على المدى الطويل، فهو بحاجة إلى استراتيجية واضحة—وهو ما أخفق في تطويره قبل اندلاع الحرب.

معركة “حرّاس الجسر”

الإرث المتناقض، وربما الدائم، لهذه الحرب هو أن إيران تعرضت لضربات عسكرية قاسية، لكنها في الوقت نفسه أعادت ترسيخ الردع. فعلى مدى العقود الماضية، استندت بنية الأمن الإيرانية إلى ثلاثة أعمدة: برنامجها الصاروخي، وقدرتها الكامنة على تطوير سلاح نووي، ودعمها لوكلاء غير دولتيين مثل حماس وحزب الله.

وبعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023، قامت إسرائيل، بدعم أميركي، باستهداف هذه الأعمدة بشكل منهجي. فتم إضعاف حماس وحزب الله بشكل كبير، كما تم تدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية في حزيران 2025. وعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في 28 شباط 2026، بدا أن برنامج الصواريخ هو آخر أدوات الردع المتبقية.

غير أن هذه الجولة من القتال كشفت أن لدى إيران أداة أخرى: السيطرة على مضيق هرمز. فقد أظهرت طهران قدرتها على إغلاق هذا الممر البحري الضيق بجهد محدود نسبيًا، مع تأثير مباشر على التجارة العالمية والمصالح الأميركية.

هذا النفوذ الجديد يمنح طهران مزايا كبيرة. فقد دفعت عشرات السفن بالفعل رسوم عبور باهظة. وإذا استمر هذا الوضع، قد تحصل إيران على مصدر دخل مهم في وقت تحتاج فيه إلى السيولة. والأهم أن المضيق أصبح بمثابة الضمانة الأمنية التي افتقدتها إيران منذ إضعاف حزب الله عام 2024. فمن الآن فصاعدًا، سيفكر القادة الأميركيون مليًا قبل شن أي حرب جديدة، إدراكًا لقدرة إيران على تعطيل الاقتصاد العالمي.

يحاول ترامب محاكاة هذا النموذج عبر فرض حصار بحري مضاد. وقد يعزز ذلك موقفه التفاوضي على المدى القصير، لكنه يصطدم بحقيقة أن الزمن يعمل لصالح إيران، التي ترى في هذه الحرب مسألة وجودية، ما يمنحها قدرة أكبر على تحمل الألم.

تعديل التوقعات

على المدى الطويل، تعتمد المفاوضات أيضًا على مستقبل النظام الإيراني. إذ ليس واضحًا ما إذا كانت إيران ستخرج من هذه الحرب كنموذج شبيه بكوريا الشمالية، أو بنظام أكثر براغماتية تقوده شخصيات مثل محمد باقر قاليباف.

لكن المؤكد أن إيران صمدت أفضل مما توقع كثيرون. فقد اعتقد البعض أن اغتيال قيادات بارزة سيؤدي إلى انهيار النظام، إلا أن آلية اتخاذ القرار فيه أثبتت أنها لامركزية ومرنة وفعالة.
كما أن إدارة ترامب تملك تأثيرًا محدودًا على السياسة الداخلية الإيرانية. فقد راهن ترامب على إخضاع إيران بالقوة العسكرية وفشل، ويحاول الآن استخدام الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، وهو مسار صعب في إطار زمني قصير.

وتتعقد المفاوضات أيضًا بسبب سوء تقدير متبادل. فإيران تميل إلى المبالغة في تقدير قدرتها على انتزاع تنازلات، بينما تسيء فهم آليات القرار الأميركي. وقد أدى هذا الخلل سابقًا إلى فشل مفاوضات الاتفاق النووي.

هكذا، اليوم، يواجه الطرفان خطر تكرار الخطأ ذاته: مطالب قصوى وفهم ناقص للخصم، ما يقلل فرص النجاح.

لا تتوقعوا اختراقًا قريبًا

ربما بالغ المحللون الأميركيون في تقدير هشاشة إيران قبل الحرب. فصحيح أن البلاد تعاني من تضخم مرتفع وأزمات اقتصادية واجتماعية، إلا أن الحرب منحت النظام مهلة جديدة للبقاء، ولو مؤقتًا.

ومع ذلك، لم تُحلّ المشكلات البنيوية. لذلك، لا يُتوقع حدوث اختراقات كبيرة قريبًا. فمن غير المرجح أن تستسلم إيران تحت الضغط العسكري أو الاقتصادي، خاصة مع امتلاكها ورقة المضيق.

بالتالي، ينبغي أن يكون الهدف الأميركي الفوري هو إنهاء الحرب وضمان استمرار الملاحة البحرية بأقل تكلفة ممكنة، ويفضل دون السماح لإيران بتحويل المضيق إلى نقطة جباية.

أما إيران ما بعد الحرب، فمن المرجح أن تمر بمرحلة انتقالية وصراعات داخلية، ما يحدّ من قدرتها على تقديم تنازلات جوهرية. قد تكون هناك اتفاقات محدودة، مثل التخلي عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب مقابل رفع العقوبات، لكن الاتفاقات الكبرى مستبعدة في هذه المرحلة.

الخبر الإيجابي الوحيد هو أن القيادة الإيرانية المقبلة ستضطر إلى الاختيار بين الاستمرار في النهج القديم أو تبني مسار أكثر استقرارًا يخدم الشعب الإيراني. غير أن ترامب لن يكون قادرًا على فرض توقيت هذا التحول. فالخيار الأفضل أمامه هو الخروج من الحرب الآن، ووضع رؤية واضحة لما تريده الولايات المتحدة من إيران وما يمكن أن تقدمه في المقابل، على أمل أن تختار القيادة الإيرانية المقبلة طريقًا أفضل.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / نيت سوانسون عن موقع “فورين أفيرز”

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.