أثار ردّ الدائرة الإعلامية في حزب القوات اللبنانية على تصريح نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب سجالاً سياسياً جديداً حول مسألة تأجيل الانتخابات النيابية والتمديد للمجلس. غير أن ما لفت الانتباه في هذا الرد لم يكن فقط مضمونه، بل اللغة التي استخدمت فيه، ولا سيما اتهام بو صعب بأنه «يحاول خلط شعبان برمضان» لإظهار أن جميع الكتل النيابية كانت تسعى إلى التمديد.
لكن المشكلة هنا لا تكمن في العبارة بحد ذاتها، بل في الجهة التي أطلقتها. فمن يتابع تاريخ المواقف السياسية لحزب القوات اللبنانية يدرك أن مسألة الفصل بين الخطاب العلني والممارسة السياسية الفعلية ليست جديدة في تجربته السياسية.
في السياسة اللبنانية، غالباً ما يختلف الخطاب العلني عن الحسابات الواقعية. غير أن بعض القوى اعتادت استخدام خطاب مرتفع السقف في العلن، فيما تنخرط عملياً في التسويات نفسها التي تنتقدها. وهذا ما يجعل اتهام الآخرين بخلط الوقائع أمراً يستدعي التوقف عنده.
فالمعروف في الأوساط السياسية أن النقاش حول تأجيل الانتخابات لم يبدأ بعد اندلاع الحرب الأخيرة، بل سبقها بأشهر. وكان جزء من هذا النقاش يدور حول مسائل تقنية وسياسية، من بينها ملف تصويت المغتربين، وهو الملف الذي تحوّل في مرحلة معينة إلى أحد أبرز المداخل المطروحة لتأجيل الاستحقاق.
وفي هذا السياق، كان اسم النائب جورج عدوان يُذكر بين أبرز المتابعين لهذا الملف داخل البرلمان، إلى جانب رئيس مجلس النواب نبيه بري، في نقاشات تناولت احتمالات تعديل بعض بنود العملية الانتخابية أو تأجيلها. وهذه المعطيات لم تكن سراً في الكواليس السياسية، بل كانت متداولة بين مختلف القوى.
لا شك في أن اندلاع الحرب غيّر المعادلات وفرض ظروفاً استثنائية قد تجعل تنظيم الانتخابات أمراً صعباً من الناحية اللوجستية والأمنية، لكن هل شكّلت هذه الحرب السبب الحقيقي لطرح التأجيل، أم أنها جاءت لتمنح غطاءً سياسياً لنقاش كان قائماً أصلاً وكانت القوات اللبنانية أحد أبرز داعميه؟
فالعديد من القوى السياسية، بمختلف اتجاهاتها، لم تكن متحمسة كثيراً لإجراء الانتخابات في موعدها. والسبب بسيط: الانتخابات تحمل دائماً عنصر المفاجأة. أما التمديد، فهو الخيار الأكثر أماناً لمن يفضلون الاستقرار السياسي على المجازفة الانتخابية. وبالتالي نعم، فإن معظم القوى السياسية قد تجد في التأجيل مصلحة ظرفية، حتى لو اختلفت في العلن حول تبريراته.
اللافت في السجال الأخير أن ردّ حزب القوات اللبنانية جاء سريعاً وحاداً مقارنة بردود قوى أخرى. فلماذا أثار تصريح بو صعب هذا القدر من الحساسية لدى القوات تحديداً؟ هل لأن كلامه اقترب من نقاشات كانت تدور فعلاً في الكواليس السياسية قبل الحرب؟ أم لأن الاتهام بوجود نية مسبقة لتأجيل الانتخابات يضرب الرواية التي تسعى بعض القوى إلى تثبيتها اليوم؟
في نهاية المطاف، قد تكون المشكلة الأساسية في الحياة السياسية اللبنانية هي هذا الفارق الدائم بين ما يقال علناً وما يجري فعلياً في الكواليس. فبدل تبادل الاتهامات بخلط «شعبان برمضان»، ربما يكون من الأفضل الاعتراف بحقيقة أن معظم القوى السياسية تتصرف وفق حسابات مصلحية، حتى عندما تقدم مواقفها على أنها مبدئية.
ولو أن القوى السياسية، وعلى رأسها حزب القوات اللبنانية، امتلكت جرأة أكبر في إعلان حساباتها السياسية بوضوح، لكان النقاش العام أكثر صدقية. فالرأي العام لم يعد يحتاج إلى مزيد من الخطابات، بقدر ما يحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية. ذلك لأن البلد، في ظل ما يمر به من أزمات متراكمة، لم يعد يحتمل الكثير من الإنكار… ولا المزيد من تشويه الحقائق.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
