بدأت المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل وكأنها رسالة عسكرية محددة الأهداف، أكثر من كونها مقدمة لحرب واسعة، لكنها كشفت في الوقت نفسه حجم التوتر الكامن تحت سطح الهدنة الهشّة التي حكمت المشهد خلال الأسابيع الماضية. فخلال ساعات قليلة، انتقل الصراع من حالة الاحتواء إلى تبادل مباشر للضربات، قبل أن تعود الأطراف إلى التراجع خطوة إلى الخلف تحت تأثير الحسابات السياسية والعسكرية المعقّدة.
جاء التصعيد في سياق التطورات المتسارعة على الساحة اللبنانية، حيث أدّى ارتفاع مستوى العمليات العسكرية في الجنوب، واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى إعادة فتح ملفات الردع والرد المتبادل بين أطراف المحور الإقليمي. ولم تنظر طهران إلى الأحداث باعتبارها تطوراً لبنانياً منفصلاً، بل قرأت المشهد ضمن إطار أوسع يمسّ التوازنات التي تحاول فرضها منذ سنوات في المنطقة.
حمل الرد الإيراني دلالات تتجاوز عدد الصواريخ أو حجم الأضرار المباشرة، إذ تكمن أهميته الفعلية في الرسالة السياسية والاستراتيجية التي سعت طهران إلى إيصالها، ومفادها أنّ أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك في لبنان لن تبقى محصورة داخل حدوده، بل قد تمتد تداعياتها إلى ساحات مواجهة أخرى في المنطقة. ومن هذا المنطلق، عملت إيران على تكريس معادلة ردع تربط بين مختلف الجبهات الإقليمية وتمنع تجزئة الصراع أو عزله ضمن نطاق جغرافي ضيّق. فبحسب هذه الرؤية، لا يُنظر إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت باعتباره حدثاً لبنانياً صرفاً، بل بوصفه مساساً بإحدى الحلقات الأساسية في منظومة الردع الإقليمية، ومحاولة لقضم خط الدفاع المتقدّم الذي تعتبره طهران جزءاً من أمنها الاستراتيجي ومجالها الحيوي.
في المقابل، حاولت إسرائيل احتواء الضربة الإيرانية من خلال رد عسكري محسوب يستهدف مواقع ومنشآت مرتبطة بالبنية الدفاعية والصاروخية الإيرانية، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تفرض أثماناً سياسية وأمنية واقتصادية يصعب تحمّلها في هذه المرحلة. وقد عكس ذلك إدراكاً إسرائيلياً بأنّ توسيع الحرب قد يفتح مسارات غير مضمونة النتائج على أكثر من جبهة في وقت واحد.
وقد برز الدور الأميركي بوضوح خلال هذه الأزمة، إذ تحركت واشنطن بسرعة لمنع تحوّل الاشتباك المحدود إلى حرب إقليمية واسعة. فالإدارة الأميركية تدرك أنّ أي انفجار كبير في المنطقة قد يهدّد حساباتها الاستراتيجية الأوسع، سواء ما يتعلق بملفات التفاوض مع إيران، أو باستقرار حلفائها، أو بمصالحها العسكرية والاقتصادية في الشرق الأوسط.
ورغم الإعلان المتبادل عن وقف العمليات العسكرية، فإنّ أسباب التوتر الأساسية لم تختفِ. فإسرائيل ما زالت تعتبر أنّ لها حرية العمل ضد ما تراه تهديدات متصلة بحزب الله، بينما تؤكد إيران أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرّض حلفاؤها أو مصالحها الاستراتيجية لاستهداف مباشر. وبين الموقفين، تبقى الساحة اللبنانية نقطة الاحتكاك الأكثر حساسية والأكثر قابلية لإشعال مواجهة جديدة.
تكشف هذه الجولة القصيرة أنّ الصراع لم يعد يدور فقط حول حجم القوّة العسكرية، بل حول القدرة على فرض قواعد الاشتباك ورسم خطوط الردع. فكل طرف يحاول إقناع الآخر بأنه يمتلك الإرادة والقدرة على الذهاب أبعد إذا اقتضت الظروف، من دون الوصول إلى حرب شاملة لا يرغب بها أي منهما حالياً.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: من سيكتب السطر الأخير في نهاية الحرب؟ الواقع أنّ الإجابة لا تتعلق بمن يطلق الصاروخ الأخير أو يحقق الضربة الأقسى، بل بمن ينجح في فرض معادلته السياسية والأمنية على المدى الطويل. وحتى الآن، لا تبدو أي من القوتين قادرة على حسم الصراع بصورة نهائية، ما يعني أنّ المنطقة ما زالت تعيش مرحلة إدارة النزاع لا إنهائه، وأنّ السطر الأخير لم يُكتب بعد، وربما يحتاج إلى جولات أخرى قبل أن تتضح هوية من سيكتب النهاية ويحدّد شكل التوازنات المقبلة في المنطقة، ليكون المشهد الإقليمي القادم أقرب إلى حرب باردة طويلة، عوضاً عن سيناريو الحرب الشاملة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
