الرقم الذي يجمع عدد السكان في جنوب اليمن، والحالة السياسية، وتغيّر انتماء التحالفات، والاعتماد على تبدّل القيادات، كلّها عوامل تغيّرت معها فكرة الأقليّة؛ فلم تعد قاصرة على العدد، أو العرق، أو الدين، أو اللون، بوصفها علامة الانقياد لطرف الابتزاز.
إن اجتماعات التوافق، والحاجة الظرفية إلى وقف قتال لا سبيل إلى حسمه، تعني أن إنشاء الدولة أمر يفوق قدرة التسويات التي تنتجها مساعٍ كهذه، قبل أن تتحول هذه المجاميع إلى عبء تبحث الدولة الراعية، التي لا يمكنها بطبيعة الحال إنشاء مؤسسات دولة، عن إهماله.
الزعامات المرحلية نتيجة لازمة لهكذا عبء، تنتهي مع انتهاء مصالح لم تعد تؤمّل فيها جديداً. إن مطالعة بعض تصريحات مسؤولي الصف الأول السابقين في اليمن، التي اعتمدت التسرّب من خلال العزف على وتر دور الشباب والمرأة، تقدّم صورة ودليلاً دامغاً على فكرة القسمة والمصالح المتبادلة. فهؤلاء شركاء في مشروع منفعة، ولا يمكن لمثلهم إيقاف قتال وفرض سطوة دولة. تكفيهم صور المؤتمرات ولقاءات الفضائيات، قبل التخلص من عفن إرثهم.
قسمة من هذا النوع تتشابك فيها الاتجاهات؛ فعند التحديق في تشكيلة مشهد القيادة اليمني، نجد فيها تجميعاً مصلحياً: قوى إسلامية معارضة لأنظمة سابقة تدّعي أحياناً الوسطية، باعتبارها منطقة مطلّة على المصالح، يمكن القفز باتجاهها كلما بدت الحاجة، في الوقت ذاته الذي تعارض فيه قوى الحوثي، حيث تلتقي هذه الأخيرة مع قوى إسلامية مماثلة أو مشابهة لتلك، مدعومة من إيران. يبدو أن «حماس» ليست تنظيماً فقط، بل هي فكرة تتلاعب بها الدول، وتستفيد منها إيران حين تتيح اللعب على كل الحبال، وإيجاد موطئ قدم يسهل نقله مع تقلّب الأحوال.
كيف يمكن بناء دولة فوق ركام التربّص بالمنافع هذا؟!
في مشهد آخر، تظهر شخصيات كانت تهاجم دولة بعينها، وهي الآن تستعد لعقد اجتماعات فيها لحل قضية الجنوب. وما يضاعف أزمة اليمن أن من يتولّى زمام الحكم هم عماد نظام علي عبدالله صالح، ويسعون إلى حل مشاكله. أين كان هؤلاء كلّهم: روّاد دور الشباب والمرأة، رموز الاعتدال، وعلامات الشرعية، قبل بلوغ هذا المصير؟
أليست حالة اليمن هذه من صنيعهم؟
في مواجهة التطورات، وأبرزها التحشيد الحوثي في ظل تراجع حدّته أمام السعودية، وهو يسعى إلى تفاهمات معها، ولو بتنازل ما، ومع محاولة واشنطن إذابة أهمية دور السعودية في لبنان من خلال الاتفاق الإطاري الأخير، وتجاهل زيارة روبيو لها، تقف السعودية أمام خيارين ينبغي التعامل معهما: فإما ترك الحوثي يتقدم لمصلحة القضاء على النفوذ الإماراتي، أو التضييق عليه، لكن هذا سيعني في المقابل تراجعاً أمام الإمارات. غير أن السؤال المفاجئ يقضي: هل يكون هذا التضييق من بوابة الحوثي أم من بوابة إيران؟ هناك فارق بين الحالتين، وربما تتطلب مصلحة السعودية مدّ جسور مع أذرع إيران مباشرة وباستقلال عنها.
بعد صورة الغرابة هذه، التي ربما لم تغب عن حسابات إسرائيل، يمكننا توجيه تحذير إلى أبناء جنوب اليمن، يفيد بضرورة الاستعداد لاختراق إسرائيلي يتسلّل من ناحية إغراء القيادات بإمكانية توفير دعم يخدم قضية الاستقلال، في صورة تعيد مشهد أكراد ودروز وعلويّي سوريا، الذين أغرقتهم إسرائيل بوعود أزاحت كل آمالهم عن مواقعها القديمة، لتهوي بهم إلى ما دونها بكثير.
مصلحة السعودية في باب المندب تحملها نحو تخفيف أزمتها مع الحوثي، سيما بعد بروز قبضة إيران على مضيق هرمز. هذه المصلحة سوف تسير بجانب مراعاة محاولة خنق إيران في لبنان بتدخل الجوار، ما سيدفعها إلى السير في تثبيت نفوذ اليمن.
أخيراً، كي لا يتكرر في جنوب اليمن «مظلوم عبدي» آخر، جاهز للانسحاب مجاناً من مساحات تكفي لإنشاء دولة، ومقدّرات تزيد على ذلك، وكي لا يضيع حلم شعب بين يدي من يتسوّل دعم جهات تنكّرت، على اليمنيين عموماً، وأبناء الجنوب خصوصاً، تغيير فكرتهم حول شكل القيادة وطريق بناء الدولة، واضعين في الاعتبار ضرورة إسقاط أفكار المركزية واللامركزية والفدرالية وغيرها من حساباتهم.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
