مصر ورسائل الأوكتاجون

لم يكن توقيت افتتاح مركز قيادة الدولة الاستراتيجي «الأوكتاغون» في مصر منفصلًا عن رسالة بات محتّمًا على الدولة إرسالها إلى العالم، مفادها أن القرار المصري لا يسير خلف تكتلات إقليمية أو دولية أو مصلحية معينة فرضتها طريقة تعامل الآخرين مع مصالحهم. فهذا الوضع الجديد، الذي حاولت إسرائيل تسويقه على أنه خطر جديد بدأ بالتولد، يقوم على إزاحة خطر الإسلام السياسي الشيعي لمصلحة بروز إسلام سياسي سني تتزعمه تركيا.

وبرغم علاقات التعاون المصري – التركي، ولا سيما في المجال العسكري، والمناورات الأخيرة التي أعقبت مرحلة من العلاقات القلقة بين الدولتين، فإن مصر لا تزال تخشى من تسلل إخواني يمكن أن يربك الداخل.

وتقوم العلاقة الجديدة مع تركيا وغيرها على استيعاب قوى يمكن أن تشكل دعمًا لاتجاهات داخلية مناهضة، عوضًا عن الصدام معها، من جهة، وبطريقة تمنح مصر إطلالة أكثر وضوحًا على منابع القلق، تتيحها لها قوتها العسكرية والاستراتيجية، من جهة أخرى.

وتسعى هذه الخطوة المصرية إلى إجهاض أي تسلل محتمل، في إطار قدرة الإسلام السياسي السني، الذي لا يختلف عن نظيره الشيعي في أساليب التسلل عبر أذرع يدفع بها إلى الواجهة، في الوقت الذي يتراجع فيه إلى الخلف وهو يحمل مسبحة الحكمة والتعقل. وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن الفرع السني أكثر قدرة على ممارسة هذا الدور، لاعتبارات داخلية تحتضنها القاعدة الشعبية، وأخرى إقليمية تدعمها دول لها مصلحة في إقلاق واشنطن وأوروبا، بغية الابتزاز، من خلال التلويح، بين الحين والآخر، بتهديد إسرائيل.

ومصر، الخبيرة في التعامل مع هذه الحركات، ولا سيما في استخدام الكيانات، أو حتى الدول، لتمرير صفقات مع الغرب والولايات المتحدة في بازارات التضحيات ودعايات النضال، فضّلت التعامل عن قرب مع حواجز من هذا النوع، تكشف من خلالها قدرتها على الحركة، بما يعفيها من جهل تفرضه عملية تحريم «التطبيع»، التي تحول دون إدراك تفاصيل ما يُحاك في السر.

وبالرغم من المصلحة المصرية في حشد الحلفاء إلى جانبها في مواجهة الأخطار الإسرائيلية والأميركية من جهة، فإنها لم تغفل عن ضرورة صد أي محاولة من أي حليف لابتلاع قدرتها على مواجهة أي اختراق داخلي يحاول التسلل، أو الاستفراد بحركة الدولة المصرية، من جهة ثانية.

وكانت عين الرقيب المصري شاخصة إلى قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي حرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلالها على إظهار نفسه قادرًا على تغيير مواقف يصعب تغييرها، حين جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع «شركائه في النفور»، وسعى إلى منح دور سوري في لبنان، في ظل دفء طيف دولي لا يحبذه أحد، حتى السوريون أنفسهم. واقترن ذلك بافتتاح تركيا مقر «البنتاغون التركي» الجديد، بالتزامن مع انعقاد قمة الناتو.

كما أن مساعي تركيا للانفراد ببناء الجيش السوري، من خلال التدريب، والإمداد بالمسيّرات، وأنظمة الدفاع، وغيرها، لم تكن محل ارتياح لدى مصر، التي لم ترغب في أن تؤدي دور التابع ضمن مجموعة تتزعمها تركيا. ويبدو أن احتضان مصر للمحادثات مع حركة حماس كان واحدًا من محطات سحب البساط من تحت أقدام تركيا، التي تتعامل مع حركة حماس، وغيرها من التنظيمات في المنطقة، بطريقة تماثل تعامل إيران مع أذرعها، غير أنها تبدو أكثر خطورة من حيث الاحتضان الشعبي الذي تحظى به هذه الحركات.

وأمام مشهد كهذا، فإن الحديث عن محور سني في المنطقة، بغض النظر عن مكوناته وأهدافه، لن يكون حاضرًا بجدارة، ولن يتعدى كونه محاولة إسرائيلية تستفيد منها في تسويق رواية أو دعاية معينة، أو مجرد أشكال من التعاون بين دول المنطقة، في سبيل تجنب الصدام مع إيران، التي لم تعد ترى فيها مصر، وغيرها من الدول، خصمًا أكثر خبثًا من غيره. ولن يغير من هذا الواقع مجرد تعاونات عسكرية هنا أو هناك.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.