ليس صدفة أن يصدر إعلان فتح باب الترشيحات للمعهد الوطني للإدارة منذ 3 أيّام فقط، أي بعد نشر المقال الأوّل (https://beirut2030.me/?p=3939) الذي فضح واقع المعهد، ولا سيّما لجهة إجراء دورات لعمّال شراء الخدمات.
التوقيت وحده كافٍ لإثبات أنّ الإعلان لم يأتِ احتراماً للقانون كما يُفترض أن يكون، بل كمحاولة متأخّرة لامتصاص الفضيحة وتغطية سنوات طويلة من الإدارة غير الشرعية. فأين كانت الدولة، ورئاسة الحكومة، ومجلس الخدمة المدنية، حين كان القانون يُنتهك علناً؟
في التفاصيل، يشغل رئيس المعهد الوطني للإدارة موقعه رغم انتهاء ولايته منذ العام 2017، تحت ذريعة «تسيير المرفق العام»، ويمارس عملياً مهام المدير العام خلافاً للقانون، رغم بلوغه السن القانونية (64 عاماً) منذ نحو 7 سنوات. فهو قد عُيّن عام 2014 لولاية مدّتها 3 سنوات فقط، ما يعني أنّ ولايته انتهت حكماً في 2017، ولا يحقّ له قانوناً القيام بأعمال المدير العام، بل حصراً بمهام رئيس مجلس الإدارة (إن وُجد مجلس إدارة أصلاً).
ووفقاً للنظام العام للمؤسسات العامة، ولا سيّما المرسوم رقم 4517 والمرسوم الخاص بالمعهد الوطني للإدارة، كان يفترض على مجلس الخدمة المدنية، بصفته سلطة الوصاية على المعهد، وقبل شهرين من انتهاء الولاية، إبلاغ مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب: تعيين، تجديد، أو تمديد وفق الأصول. لكن شيئاً من ذلك لم يحصل، لا بل جرى تجاهل انتهاء الولاية، ثم تجاهل بلوغ السن القانونية، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة يُدار على أساسها المعهد الوطني.
وللمفارقة، فإن هذه الوقائع جرت بعلم وموافقة ضمنية من مجلس الخدمة المدنية، المكلّف قانوناً حماية الشرعية الإدارية. ومع ذلك، لم يطلب المجلس تعيين رئيس جديد أو مدير عام، ولم يُحرّك ساكناً، رغم علمه الأكيد بالمخالفات منذ سنوات. ومن هنا تُطرح مسؤولية رئيسة مجلس الخدمة المدنية مباشرة: كيف لمجلس يُفترض به السهر على احترام القانون أن يقبل بهذا الخرق الفاضح من دون أي إجراء أو موقف رسمي؟
وتتفاقم المخالفات مع شغور منصب المدير العام في المعهد منذ العام 2022 من دون أي تحرّك جدّي لملئه، ما يعني أنّ المعهد يُدار بفراغ إداري مزدوج: رئيس منتهي الولاية ومتجاوز السن القانونية يقوم بأعمال المدير العام خلافاً للقانون، ومدير عام غير معيّن.
ليس هذا فحسب. فقد أعلنت وزارة التنمية الإدارية فتح باب الترشيح لرئيس مجلس الإدارة وللمدير العام، من دون أي إشارة إلى تعيين أعضاء مجلس الإدارة، علماً أنّ المرسوم ينصّ صراحة على أنّ مجلس الإدارة يتألّف من 6 أعضاء بمن فيهم الرئيس. فهل يُعقل تعيين رئيس لمجلس غير مكتمل؟ أم المطلوب رئيس بلا مجلس؟ وهل يجتمع مع نفسه؟ أم أننا أمام استمرار منطق «الإدارة الفردية» بغطاء قانوني شكلي؟
ولا يقف العبث عند هذا الحد، إذ تضمّن إعلان الترشيح شرطاً يحدّد العمر بين 20 و44 سنة لوظيفة المدير العام، وهي صيغة تُستخدم في مباريات التوظيف الجماعي للوظائف العادية، لا في تعيينات المراكز القيادية. فكيف يُشترط لمنصب يتطلّب شهادة جامعية عليا وخبرة تمتد لخمس أو عشر سنوات أن يكون الحدّ الأدنى للعمر 20 سنة؟ هذا التناقض يؤكّد أنّ الإعلان أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى مسار جدّي للتعيين.
هذا ويُسجَّل أيضاً خرق بالغ الخطورة يتمثّل في اعتماد وزارة التنمية الإدارية، بصورة منهجية، شروطاً توظيفية مستحدثة لا وجود لها في أي نص قانوني، ولا سيّما شرط منع المرشّحين من أن يكونوا قد صُرفوا من القطاع الخاص، وفرض تعهّدات خطية بذلك. فهذا الشرط لا أساس قانوني له، إذ إنّ القوانين تحصر موانع التعيين بحالات الصرف أو العزل من الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الصادرة من إحدى المجالس التأديبية أو من أحدها، ولا تمتد بأي حال إلى القطاع الخاص.
كما أنّ الصرف من القطاع الخاص قد يكون تعسّفياً، أو نتيجة إفلاس، او إقفال أو إعادة هيكلة، أو خلاف مهني، ما يجعل هذا الشرط تمييزاً غير مبرّر وانحرافاً واضحاً في استعمال السلطة. والأخطر أنّ هذا الشرط تفرضه وزارة التنمية الإدارية بصورة دائمة في إعلاناتها، في حين لا وجود له إطلاقاً في المباريات التي يجريها مجلس الخدمة المدنية في سائر الوظائف الخاضعة له.
ويكتمل مشهد الاستهتار حين تُصرّ وزارة التنمية الإدارية على استحداث شروط توظيفية إضافية ومتفرّعة من خارج أي نص قانوني، فتطلب في إعلان تعيين رئيس مجلس الإدارة والمدير العام إتقان إحدى اللغتين الفرنسية أو الإنكليزية، وتعتبر اللغة الأجنبية الثانية «قيمة مضافة». في المقابل، يُلزَم المرشّحون لوظائف أدنى، كرؤساء المصالح وأمين سر مجلس الإدارة في المعهد، بإتقان لغتين أجنبيتين للتقدّم عبر مجلس الخدمة المدنية، فيما تكتفي الوزارة بلغة واحدة للمراكز القيادية.
خلاصة القول، ما يجري في المعهد الوطني للإدارة نموذج صارخ لدولة تُدار بالاستثناء، ويُقصى فيها القانون لصالح الأمر الواقع. وأمام هذا الانحراف المنهجي في استعمال السلطة، تنتقل المسؤولية مباشرة إلى مجلس الوزراء، المطالب اليوم بمحاسبة كل من وزير التنمية الإدارية (بعدما حوّل الوزارة إلى مساحة لاجتهادات شخصية وشروط مفصّلة على القياس) ورئيسة مجلس الخدمة المدنية (كونه سلطة الوصاية عليها)، ذلك لأن استمرار هذا النهج من دون مساءلة لا يشكّل إلا غطاءً رسمياً لإفراغ التعيينات العامة من مضمونها القانوني وتحويلها إلى أداة استنسابية مفضوحة.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
