في لبنان، لا يموت أمراء الحرب… بل تتبدّل السفارات التي يدخلونها من الأبواب الخلفية

منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، تعاقب على البلاد سياسيون وقادة ميليشيات رفعوا شعارات «الكرامة» و«السيادة» و«حماية الطائفة»، فيما كانت خرائط تحركاتهم تُرسم في عواصم الخارج أكثر مما تُرسم في بيروت. كل فريق أقنع جمهوره أنه يملك «الحليف الأبدي»، وأن الراعي الخارجي لن يتركه، وأن المال والسلاح والغطاء السياسي ضمانة أبدية. ثم اكتشف الجميع، متأخرين دائماً، أن الدول لا تتبنّى أحداً… بل تستخدمه فقط حتى انتهاء الحاجة إليه.

كم من زعيم لبناني نام مطمئناً تحت عباءة سوريا، ليستيقظ ذات يوم وقد أصبح عبئاً يجب التخلص منه؟

وكم من قائد راهن على إسرائيل باعتبارها «الحليف الاستراتيجي»، ثم اكتشف أن الحليف ينسحب عندما تتغير الحسابات، تاركاً خلفه حلفاء يواجهون مصيرهم وحدهم؟

وكم من سياسي باع جمهوره أوهام الدعم الغربي أو الخليجي، قبل أن يكتشف أن البيانات الدبلوماسية لا تحمي أحداً حين تتبدل المصالح؟

في لبنان، لا شيء أرخص من السياسي الذي يظن نفسه لاعباً دولياً بينما هو مجرد بند صغير في دفتر حسابات الآخرين.

المأساة أن الدرس تكرر عشرات المرات، ومع ذلك لم يتعلم أحد. أو ربما تعلّموا جيداً، لكن السلطة والمال والمواكب الفارهة كانت أكثر إغراءً من فكرة الوطن. فالزعيم الذي يعتاد التمويل الخارجي يفقد تدريجياً القدرة على رؤية بلده إلا كأرض نفوذ، وشعبه إلا كجمهور يجب تخويفه كي يبقى محتاجاً إليه.

هكذا تحولت الوطنية في كثير من الأحيان إلى خطاب للاستهلاك المحلي، بينما القرار الحقيقي معلّق بين السفارات وغرف الاستخبارات والصفقات الإقليمية. وكلما تغيّر ميزان القوى، تغيّر «الخطاب السيادي» نفسه، وكأن السيادة بند قابل للتعديل لا مبدأ ثابت.

المفارقة الأكثر قسوة أن الشعوب تدفع الثمن دائماً، بينما أمراء الحرب غالباً ينجون. يموت الفقراء في المعارك، تُهدم المدن، يهاجر الشباب، ثم يجلس الزعماء أنفسهم حول الطاولات نفسها، يتبادلون الابتسامات بعد سنوات من التحريض والدم.

وفي النهاية، يبقى لبنان كعادته: بلد يدفع ثمن الذين ظنّوا أن الخارج سيحملهم إلى الأبد، ولم يفهموا أن الدول العظمى لا تملك أصدقاء… بل أدوات مؤقتة بتاريخ انتهاء صلاحية واضح، وإن كُتب بحبر غير مرئي.

مقالات الكاتب

مارك الأعور

مغترب لبناني.